لا أحد ينكر أن الشبكة العنكبوتية «الإنترنت» قد امتدت على مدى العقدين الماضيين لتشمل وتغطي كل نواحي الحياة في كل بقعة من العالم، وأصبح الاستغناء عن هذه الشبكة مستحيلا تماما. ومنذ بداية انتشارها في مطلع التسعينات، حاولت دول كثيرة أن تغلق أبوابها في وجهها، وتعامل الكثيرون معها على أنها شكل من أشكال التجسس الحديثة.
وهذا الرأي في الواقع لا يخلو من نسبة كبيرة من الحقيقة، فالإنترنت مثل أي وسيلة اتصالات، هو وسيلة لنقل وتبادل المعلومات بكافة أنواعها ودرجة أهميتها، وبالتالي فمن المتوقع أن يستخدم بكافة الأشكال، الإيجابية والسلبية.
وها هي تجربة موقع «ويكيليكس» في نشر مئات الآلاف من الوثائق السرية التي تغطي أجزاء كبيرة من العالم، تثبت لنا مدى إمكانية استخدام الشبكة العنكبوتية، ليس فقط ضد مصالح دول وشعوب، بل أيضاً لتدمير وتهديد أمن الدول.
وربما آخر مثال أمامنا من الواقع، هو الفيروس الذي انطلق عبر الشبكة العنكبوتية ليضرب أجهزة حيوية في البرنامج النووي الإيراني منذ أسابيع قليلة، كما سمعنا كثيرا عن حوادث اختراق مواقع حساسة وحيوية، مثل منظومة الدفاع البريطانية التي اخترقها صبية صغار في روسيا أثناء عبثهم في دروب الشبكة العنكبوتية.
ورغم كل المخاطر، فإن الدول بأجهزتها الأمنية والاستراتيجية والعلمية وغيرها، مضطرة لاستخدام هذه الشبكة العنكبوتية، سواء للاتصال الداخلي في الدولة أو الخارجي، ومن هنا يبرز السؤال الهام، من يتحكم في الشبكة العنكبوتية وكيف يتحكم فيها؟ وما مدى سيطرته دون غيره عليها؟
من المعروف أن مشروع الشبكة العنكبوتية في الأساس، هو مشروع أميركي انطلق من الولايات المتحدة الأميركية، ويخضع في إدارته المركزية حتى الآن لشركة أميركية خاصة هي شركة «آيكان».
ونذكر أن هذه الشركة كانت قد أرسلت إلى روسيا في منتصف التسعينات مندوبا لها، هو رجل الأعمال والمال الشهير الملياردير جورج سورس، الذي حضر إلى موسكو والتقى ببعض المسؤولين وبعض القائمين على مراكز الأبحاث العلمية الحيوية الاستراتيجية.
مثل أبحاث الطاقة النووية والفضاء وغيرها، وعرض على هذه المراكز مساعدات مالية بنحو مئتي مليون دولار، وكانت هذه المراكز تعاني في التسعينات من ظروف الأزمة المالية الحادة التي كانت تعاني منها روسيا جميعها.
وأتيحت لسورس فرصة الحديث في البرلمان الروسي آنذاك، ليعرض مشروعه في المساعدات لمراكز الأبحاث العلمية الروسية، مقابل أن تدخل هذه المراكز بأعمالها وأنشطتها في منظومة شبكة الإنترنت.
ولم يلق عرض سورس أي قبول من البرلمان الروسي، لكن تبين بعد ذلك أن بعض مراكز الأبحاث الروسية أجرى اتصالات سرية معه، ودخلت في المشروع الذي تبين بعد ذلك أن الهدف الرئيسي من ورائه، كان الوصول للأبحاث العلمية الروسية السرية والحيوية.
ورغم هذا، وبمرور الزمن، وجدت مراكز الأبحاث هذه نفسها مضطرة للتعامل مع الشبكة العنكبوتية التي لم يعد أحد يستطيع الاستغناء عن خدماتها، الأمر الذي دفع الدول الكبيرة، مثل روسيا والصين والهند وغيرها، إلى البحث عن حلول أخرى لتأمين استخدام الشبكة العنكبوتية وضمان عدم استخدامها ضد الأمن ومصالحها.
ولم تجد هذه الدول حلا إلا في السعي لكسر احتكار الجهات الأميركية للسيطرة على الشبكة العنكبوتية، وقد انعقد الشهر الماضي في موسكو مؤتمر الاتحاد الدولي للاتصالات، الذي اتخذ قرارا يقضي بتوزيع صلاحيات إدارة الإنترنت بين عدة دول.
وفي المؤتمر المذكور، أشار الحضور إلى أن توزيع عناوين «أي بي» (ةذ) والإدارة العامة لشبكة الإنترنت، كانا حكرا على الشركة الأميركية الخاصة «آيكان»، التي تعمل وفق تعليمات وزارة التجارة الأميركية وقوانين الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن تبادل المعلومات عبر الشبكة في جميع أنحاء العالم، يقع تحت سيطرة دولة وحيدة، بينما كان الإشراف على منظومات الاتصالات العالمية يقع في السابق على عاتق منظمة دولية مستقلة، هي الاتحاد الدولي للاتصالات.
وبناء على اقتراح روسي، اتخذ المؤتمر قرارا يقضي بمشاركة الاتحاد في إدارة الإنترنت وحماية مصالح بقية الدول لدى «آيكان».
هذا القرار الذي اتخذه المؤتمر ليس سهلا بالقطع، إذ إن ذلك لا يعني بداية تغيرات جذرية في النظام العالمي لإدارة الإنترنت فحسب، بل ويعد انتصارا استراتيجيا لروسيا كذلك. فالوفد الروسي كان صاحب المبادرة التي أيدتها بقية الوفود، رغم المعارضة الشديدة من طرف الوفد الأميركي.
ومن جانب آخر تبقى قضية الإشراف على الشبكة العنكبوتية موضع جدل لدى الخبراء، فالإشراف على المحتوى قضية تحلها كل دولة بطريقتها الخاصة. ففي الصين تم فرض رقابة صارمة على محتويات صفحات الإنترنت، لكن تطبيق مثل هذه الرقابة على مستوى العالم أمر مستحيل، لأن للشبكة هيكلية ذاتية التنظيم.
ويوضح مدير مجلس مركز تنسيق النطاق الوطني الروسي لشبكة الإنترنت، آندريه كوليسنيكوف، أن التحكم في شيء ما يتطلب أن تكون له إدارة مركزية، بينما الإنترنت أشبه بأفعى متعددة الرؤوس. ويضيف أن الحديث عن التحكم في الشبكة العنكبوتية لا يتعدى إطار السياسة، فمن الممكن التحكم في نطاق محدد من العناوين، ولكن هذا النطاق ليس إلا جزءا وحسب من هذه الشبكة.
أيا كان الأمر، فقد بات واضحا أن العالم المضطر لاستخدام الشبكة العنكبوتية، بات يرفض هيمنة الولايات المتحدة عليها، وباتت هناك خطوات عملية ملموسة لكسر هذا الاحتكار.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru