نردد كثيراً أن «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم»، وهذا صحيح، لكن ليس بالضرورة أن من تعلم لغة قوم نال حظهم من التقدم والعلم والمعرفة.. تلك هي المسألة التي نالت ولا تزال قدراً من الجدل حول سبل الارتقاء وعوامل نهضة السياسة التعليمية لأية دولة.
ظانين أن مجرد تغيير لغة التعليم من لغتنا العربية إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، هو الطريق إلى تحقيق النهضة التعليمية، وكأن لغتنا، التي تملك من الغنى في المبنى والمعنى والخصوبة والخصوصية والثراء ما يعجز عنه باقي لغات الكون، هي الحائل بيننا وبين بلوغ غايات كبرى ومراتب عليا في العلم والمعرفة الإنسانية.
وكأننا نريد أن نبحث لأنفسنا عن مبررات لفقر الفكر وشح الإبداع في عالمنا العربي، وهذا ما تؤكده نسب الإصدارات السنوية في مختلف العلوم والفنون والآداب والعلوم، مقارنة بباقي أمم الأرض وشعوبها.
إن تعلم لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، هو أمر في غاية الأهمية لأنه يفتح لأصحابه آفاقاً رحبة من العلم، باعتبار أن جل المعرفة في عصرنا بهذه اللغة، إلا أن هناك بوناً شاسعاً بين إجادة لغة للإطلاع بها على مصادر المعرفة الرحبة، وبين اعتمادها كلغة أولى للتعليم في مراحله المختلفة.
وليس في ذلك تناقض، لأن مسألة الإبداع والتقدم لأي شعب لا يمكن أن يكون السبيل إليها لغة غير لغته الأصلية التي يفكر بمفرداتها ويستدعي معانيها ويستحضر دلالتها ويدرك مقاصدها، وهذا شأن العديد من شعوب العالم التي أضافت إلى الرصيد الإنساني قدراً كبيراً من المعرفة، دون الحاجة إلى استبدال لغتها الأصلية بأخرى، سواء في مراحل التعليم أو الإنتاج الفكري والمعرفي، مهما طغى حضور تلك اللغة على الساحة الدولية.
أليست اللغة الروسية هي اللغة المعتمدة في مراحل التعليم المختلفة في روسيا، وكانت بها قوة عظمى وانفرط عقدها مع انفراط العقد الكبير للمنظومة بأكملها؟ أليست الصينية هي لغة التعليم التي باتت بها الصين عملاقاً قادماً من بعيد ليعيد ترتيب أوراق كوكب الأرض برمته؟
ألم تحقق فرنسا في المجال الطبي تراثاً زاخراً من المعرفة دون أن تلجأ إلى لغة غير الفرنسية؟ إن باب الخلاص من التخلف وتحقيق التقدم والتميز، لن يتأتى بمجرد اعتماد اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات الأجنبية، لغة للتعليم.. القضية أكبر وأعمق من ذلك.
أليس معظم دول القارة الإفريقية بين الإنجليزية والفرنسية، ولم نرهم قد نفضوا عن أنفسهم بعد غبار الفقر والجوع والتخلف وصاروا في مقدمة الركب، ما دامت اللغات الأجنبية هي التي تملك ذلك الحل السحري الذي يحيل الشعوب من حال إلى حال!
وفي عالمنا العربي، أرى أن اعتماد اللغة الأجنبية للتدريس في مراحل التعليم المختلفة، يعتبر نوعاً من الإيغال في تكريس الغربة بين أصحاب اللغة ووطنهم وتراثهم ومجتمعاتهم، لينشأ جيل مسخ مشوه، قبل أن يتنازل عن هويته يوم أن تنازل عن لغته التي هي عنوانها وسر بقائها.
أليس من المؤسف أن يتمسك الكيان الغاصب باعتماد لغة منسية لا يستخدمها إلا بضعة ملايين من البشر، كلغة أساسية للتعليم بمراحله المختلفة وأصر عليها ليبقى.. لأن اللغة إحدى أدوات بقاء الشعوب.
والسؤال الذي أود أن أطرحه: كيف هو الحال بعد أن اعتمد جل جامعاتنا العربية اللغة الإنجليزية كلغة للتدريس؟ هل رأينا المبدعين والمتميزين وأصحاب الابتكارات؟ ما هي الصورة الآن وقد مرت عقود على تلك التجارب؟ أعتقد إن الإجابة لا تحتاج إلى كبير جهد لتوضيحها.
فما زالت مخرجات الجامعات العربية في معظمها ضعيفة واهنة وغير مبدعة، ولم تحدث الفارق الذي توقعناه أو توهمناه، لأن الدارس بلغة غير لغته الأصلية أصبح يبذل معظم جهده في التذكر وفك الرموز، وتعطلت قدراته على التفكير والتحليل والمناقشة.
وما يستوقفني أن جميع القائمين بالتدريس، سواء في مراحل التعليم قبل الجامعي أو الجامعي أو حتى في مرحلة الروضة، على قناعة تامة ان الاستفادة الحقيقية والمحصلة النهائية لأي دارس، لا تتعاظم إلا عندما يكون التدريس بلغته الأصلية.
وهذا ما تؤكده أصول علم اللغة، بل والواقع الذي يدلل على أن من أبدعوا في دراستهم ونالوا شهرة عالمية في شتى الميادين، هم من درسوا في بيئة لغتهم الأصلية، ولما احترم العالم إبداعاتهم واحتاج إليها ذهب للبحث عن تعلم لغتهم.
فالمعرفة احتياج، كما أن هناك بعض العلوم لا يمكن أن يدرس إلا بلغتها الأصلية، مهما حاولنا لي عنقها وبذل الجهد لتكييفها في قالب صنع لغيرها.
وهناك حقيقة منسية، وهي أن اختبارات تحديد المستوي مثل «التوفل» «شدئج أو «الآيلتس» ةجشس وغيرها من الاختبارات المطبقة في معظم الجامعات العربية، هي بحق بعيدة عن تحديد أي مستوى أو أن تكون مؤشراً حقيقياً على قدرات الطالب.
فأهل اللغة والمختصون يعلمون تمام العلم أن الطالب قد يستطيع اجتياز اختبار التوفل شدئج، في الوقت الذي لا يستطيع فيه أن يكتب جملة واحدة دون أخطاء لغوية، أو يجري حواراً بلغة سليمة، أو يتعامل مع محتوى يستطيع أن يخرج منه بمعلومة تفيده.. وكأننا عاجزون عن وضع اختبارات تحدد مستوى طلابنا، بينما نقوم نحن بتدريسهم في قاعات المحاضرات!
إن إعطاء ظهورنا للغتنا هو وأد لذاتنا وتراثنا وقيمنا وتاريخنا، وهو الرضا بأن نظل دائماً في انتظار عطاءات غيرنا ومساهماتهم في دنيا الناس، كمن يركب قطاراً لا يتحرك، فارتضى لنفسه لعب دور المتفرج بأن يطل من شرفته على المارة من حوله، دون أن يشاركهم سعيهم.
إنني على يقين أن هذا الاتجاه الهادر نحو اعتماد اللغات الأجنبية للتعليم في الدول العربية، ناتج عن حالة من الانهزام الداخلي في عصر بات فيه التميز يقاس بمن يستطيع أن يرطن بلغة أجنبية، بغض النظر عن قيمة ما يقوله أو مدى نفعه.
لذا فإننا بحاجة إلى إعادة الهيبة إلى لغتنا العربية، والإيمان بأنها قادرة ـ بما تحويه ـ على أن تكون لغة العصر، وعلى مواكبته، مع اليقين في الوقت ذاته أن تعلم أبنائنا للغات شعوب أخرى قد يؤمنهم مكرهم، لكن ليس شرطاً لأن ينالوا حظهم.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com