لنبدأ بما ليست عليه مراسلات سفارة الولايات المتحدة التي نشرها موقع ويكيليكس أخيراً. فهي ليست، كما ادعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، «اعتداء على مصالح السياسة الخارجية الأميركية» التي عرضت «أشخاصاً أبرياء» للخطر.

وهي ليست، كما وصفها «روبرت غيبس»، «عمل طائش وخطير» يعرض «قضية حقوق الإنسان» للخطر. وهي لا ترقى إلى ما وصفه وزير الخارجية الإيطالي، في واحدة من أكثر اللحظات مدعاة للأسف في تاريخ المغالاة (أو الهستيريا؟)، اعتبرت «بمثابة أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة للدبلوماسية العالمية».

كما أنها ليست «سرية للغاية»، حيث أن هناك ما بين مليونين وثلاثة ملايين موظف حكومي مخول لهم الاطلاع على هذا المستوى من «الوثائق السرية»، ونحو 500 ألف شخص لهم حق الدخول على شبكة بروتوكول الإنترنت السرية (سيبرنت)، حيث تم تخزين هذه المراسلات. ربما سوف ينبغي عليهم التفكير في تغيير الاسم إلى شبكة بروتوكول الإنترنت غير السرية (ناتسيبرنت).

وما هو أكثر من ذلك، أن هذه التسريبات ليست كاشفة بشكل خاص. وكما قال «ريتشارد هاس» رئيس مجلس العلاقات الخارجية: «الكثير مما رأيناه حتى الآن يؤكد أكثر من كونه يأتي بجديد».

ولكن هنا ما يجعل هذه المراسلات المسربة غاية في الأهمية، فهي توفر فرصة أخرى لجذب الانتباه إلى الحرب في أفغانستان، وهي التي، رغم حقيقة أنها تكلف أميركا 8 .2 مليار دولار أسبوعيا، تبقى متوارية عن الأنظار، حتى في هذا الوقت الذي يسود خلاله الهوس بالعجز.

وتعتبر هذه المراسلات عنصر تذكير قويا بما تكلفه هذه الحرب الفاشلة، من حيث الخسائر في الأرواح والمال، وأمن أميركا القومي على المدى الطويل.

إنها لم تسبب ضرراً أو تلحق الرعب الذي نجم عن الكشف عن سجلات ويكيليكس للحرب في أفغانستان في يوليو الماضي، بما تحمله من تفاصيل مزعجة لقتل المدنيين والأطفال الموتى، والجنود المضطربين، والفوضى المتصاعدة.

ولكن الطريف بشأن النقاط الفاصلة، هو أنه لا يمكنك أن تعرف أي حقيقة أو صورة أو رواية سوف تجعل الأمور تصل إلى الحالة الحرجة، وأي من اللحظات الصغيرة ستؤدي إلى أن ترسيخ فكرة كبيرة في نهاية المطاف.

فلتقم بتصور قفل معقد للغاية، والذي يتطلب إدارة ثمانية أرقام مختلفة لفتحه. لديك سبعة أرقام منها، ولكن القفل لن يفتح حتى تصل إلى هذا الرقم النهائي.

وربما لا يبدو الثمن «كبيراً» مثل السبعة أثمان، ولكن بدون النقر على العدد الأخير في مجموعة الأرقام، فإن قداحات القفل لن تستقر في مكانها الصحيح.

وكما كتب «مالكولم غلادويل» في كتابه «النقطة الفاصلة» يقول: «إننا بحاجة إلى إعداد أنفسنا، تحسباً لإمكانية أن تنجم التغييرات الكبيرة أحياناً نتيجة أحداث صغيرة، وفي بعض الأحيان يمكن أن تحدث هذه التغييرات بسرعة... ولتنظر إلى العالم من حولك، قد يبدو مكاناً ساكناً ومتصلباً، لكنه ليس كذلك. فمع أقل دفعة، في الاتجاه الصحيح، فإنه يمكن أن ينقلب».

لذلك، ربما النقطة الفاصلة سوف تكون رسالة التذكير من خلال هذه المراسلات، بأننا وضعنا ثقتنا بشأن مستقبل أفغانستان في أيدي رئيس يعتبر الدبلوماسيون لدينا أنه «ضعيف للغاية» و«مدفوع بجنون العظمة».

ربما سوف تتمثل هذه النقطة في أنباء قيام الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بإطلاق سراح العديد من المعتقلين الخطرين، بما في ذلك ال29 الذين تم احتجازهم في معتقل غوانتانامو، وإصدار العفو عن العديد من تجار المخدرات. وربما ستكون صورة أخرى للأخ غير الشقيق للرئيس قرضاي، بوصفه «فاسداً وتاجر مخدرات».

أو ربما ستكون الأمانة الصادقة ل«آن باترسون»، السفيرة الأميركية في باكستان منذ عام 2007 حتى الشهر الماضي، وهي التي بادرت دون زيادة أو نقصان، بتسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين حلفاء أميركا المفترضين في أجهزة الاستخبارات الباكستانية، وحركة طالبان.

وهي العلاقة التي تمثل خطراً واضحاً وقائماً على القوات الأميركية في أفغانستان. وعلى حد وصف «سيمون جنكينز: «تشبه مراسلات باترسون رسائل خطية من تايتانك، وهي تتجه بالفعل نحو القاع».

فلو أن أياً من هذه التسريبات قلبت الميزان، من حيث تذكير الناس بأن إعادة القوات الأميركية إلى الوطن يجب أن تكون أكثر طموحاً (حسبما وصفت وزارة الدفاع الأميركية أخيراً الهدف الزمني للخروج بحلول عام 2014)، حينئذ فإن هذه الجولة من وثائق ويكيليكس سوف تكون أمراً جيداً جداً في الواقع.

مؤسسة ورئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية

opinion@albayan.ae