حين يرد خبر عن نشر وثائق تقبع في الأدراج السرية لوزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين، يتبادر للذهن أن الأمر لا يعدو ظهور بضع وريقات سرية إلى العلن، إذ من المستبعد جداً أن يخطر ببال أحد أن الخبر يتعلق بنشر مئات الآلاف من الوثائق السرية، التي تحتوي على معلومات على درجات متفاوتة من الأهمية من جهة، وعلى درجات متفاوتة من الحساسية السياسية والأمنية من جهة أخرى.
شهدنا حتى الآن ثلاث دفعات من هذا النشر المثير واللافت للنظر، للوثائق الأميركية السرية، من قبل موقع ويكيليكس الإلكتروني خلال العام الحالي.
فمن وثائق وزارة الدفاع نشر سبعاً وسبعين ألف وثيقة عن الحرب في أفغانستان، وأربعمئة ألف وثيقة عن الحرب في العراق، ومن وثائق الخارجية نشر ربع مليون وثيقة.
وهناك أضعاف ذلك في طريقه إلى النشر، حسب ما صدر مؤخراً عن صاحب الموقع والمسؤول عنه جوليان أسانج، قبيل اعتقاله في لندن مؤخراً بتهمة لا علاقة لها بتسريب الوثائق.
هناك فارق مهم بين المجموعتين من الوثائق، فالأولى رغم ما كشفته من أسرار بقيت طي الكتمان، عن حجم الخسائر في افغانستان وفي العراق ودور القوات الأميركية في ذلك، إلا أنها لا تعدو أن تكون يوميات أفراد أو تقارير لجان لتوثيق الأحداث التي شهدتها القوات الأميركية أو أحاطت بها علماً.
إلا أن المجموعة الثانية من الوثائق على درجة كبيرة من الحساسية، لأنها وثائق كتبها دبلوماسيون أميركان، توثيقاً للقاءات أجروها مع ملوك ورؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات ووزراء خارجية وقادة أحزاب. وقد عكس بعض هذه الوثائق مدى الابتعاد، في السر، عن الرهافة التي يبديها السياسيون والدبلوماسيون الأميركيون وغيرهم في العلن.
من جانب آخر، تجدر الإشارة إلى ناحية أخرى كشفها بعض هذه الوثائق، تتعلق بأساليب عمل المؤسسات الأميركية مع الدول الأخرى، حيث لوحظ اختفاء الخطوط الفاصلة بين المهام الدبلوماسية والمهام التجسسية.
فقد وضعت وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي أي» لائحة بالمعلومات التي ترغب في الحصول عليها، وسلمتها إلى وزارة الخارجية الأميركية، التي عممتها بدورها على سفاراتها في العالم.
ومن ضمن ما طلبته الوكالة، جمع معلومات عن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وعن شخصيات أخرى في المنظمة الدولية، والاستعلام عن طرائقهم في الإدارة واتخاذ القرار.
معظم ما ورد في الوثائق قد أكد ما هو معروف ومتداول، ولم يأت بجديد من المعلومات، ولم يحتو هذا الكم الهائل من الوثائق على مفاجآت كثيرة. ورغم أن ما ورد من معلومات في معظمها لا يرقى إلى المستوى الخطير الذي يهدد الأمن القومي الأميركي، إلا أن بعضها يرقى إلى ذلك فعلاً.
فالوثيقة التي تتضمن لائحة بأسماء وأماكن عدد كبير من المواقع في مختلف مناطق العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط التي تعتبرها الولايات المتحدة ذات أهمية قصوى لأمنها القومي، مؤشر على ذلك.
وتشمل هذه الأماكن ممرات مائية وموانيء وحقولاً نفطية وغازية ومناجم استخراج المعادن، مما اعتبره بعض المراقبين معلومات مجانية للمنظمات الإرهابية التي تخطط وتعمل على إلحاق الأضرار بالمصالح الأميركية.
التداعيات الآنية لنشر هذه الوثائق، هي الدهشة والذهول لدى العديد من الدول وارتباك كبير في أعمالها، خاصة الولايات المتحدة التي سارعت فوراً وعلى مختلف مستوياتها الدبلوماسية لامتصاص ردود الفعل.
إلا أن نشر هذه الوثائق ستكون له تأثيرات أكثر أهمية على المدى البعيد، فالدول التي أُحرجت أمام الرأي العام، ستفكر أكثر من مرة قبل أن تسمح للولايات المتحدة بالمشاركة في أسرارها، وسيكون دبلوماسيوها أكثر حذراً في إبداء ملاحظات فيها قدر من التحرر من القيود الدبلوماسية، كي يتجنبوا قراءة ذلك على الإنترنت فيما بعد، فأجواء الثقة مع الدبلوماسية الأميركية قد أصابها الكثير من الكدر.
كما أن كشف هذه الوثائق يشكل عائقاً كبيراً أمام الهيئات الدبلوماسية، التي يتطلب عملها الدخول في حوارات تتميز بالثقة مع الناس.
هذه التسريبات ستجعل الدبلوماسيين الأميركان أكثر حذراً في ما يكتبون، وأقل رغبة في تسطير ملاحظاتهم الخاصة على الورق، إذ ليس من السهل على دبلوماسي اعتاد على احترام تقاليد القنوات الدبلوماسية السرية.
أن يرى ما سطره على الورق قد أخذ طريقه الى الإعلام، خارج أطر السقوف الزمنية التي تسمح بالاطلاع على هذه الوثائق حين تبتعد الظروف الموضوعية التي صنعتها زمنياً إلى الوراء. وهذا التحفظ سيحرم راسمي السياسات من مصادر مهمة للمعلومات، وسيضعف من آلية صنع القرار.
ألحق تسريب هذه الوثائق ضرراً لا يمكن التقليل من أهميته بالولايات المتحدة، وللبعض من حلفائها الذين يظهرون في العلن غير ما يبطنون.
كما أحرج الموقف الرسمي الأميركي أمام بعض الدول التي تشهد علاقاتها مع الولايات المتحدة بعض التشنجات، مثل تركيا، وأمام دول أقيمت علاقاتها مع الولايات المتحدة على أسس هشة، مثل روسيا حيث تضمن بعض الوثائق توصيفات غير لائقة عن الوضع السياسي والقادة الروس.
ولعل أبلغ الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة، هو فقدانها لبعض هيبتها التي هي أحد أبرز عوامل الردع في سياستها الخارجية، فكيف وقد تصدى بضعة أشخاص مغمورين لهذه الهيبة ونجحوا في النيل منها، وكشفوا أن المناعة الأمنية لأقوى دولة في العالم ليست غير قابلة للاختراق!
ومهما تعددت وتنوعت الأحكام التي صدرت أو التي ستصدر لتقييم عملية تسريب هذه الوثائق للرأي العام العالمي، لا بد من الإشارة إلى أن هذا النشر قد خدم معظم دول العالم، رغم أن بعضها قد تحفظ على ذلك، وربما تضرر بسببه.
فمعظم الدول ترصد مبالغ ضخمة في ميزانيات مخابراتها لرصد الأحداث الداخلية والخارجية، ورسم السياسات واتخاذ إجراءات وقائية ضد أخطار محتملة.
فالتجسس والتجسس المضاد عالم مغرق في غموضه وسريته وأهميته في جميع الأزمان، وليست هناك دولة تقبع خارجه، خلال السلم وخلال الحرب. ولا تقتصر العمليات في هذا العالم على الحصول على المعلومات الحساسة، وإنما تتجاوز ذلك إلى ما هو أهم، وهو التعرف إلى عقلية المقابل وأسلوب بناء استراتيجياته وتكتيكاته.
من هذا المنطلق تعتبر تسريبات وكيليكس خدمة مجانية، لأنها وفرت وثائق لا يرقى إليها الشك، حول عقلية المؤسسات الأميركية وأدوات صنع استراتيجياتها.
كاتب عراقي
mohammedakif@yahoo.ca
