لا يوجد أي مرشح جمهوري محتمل يجسّد بشكل حاد غضب الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، مثلما هي حال «سارة بالين». وليس هناك من ينقل هذا الغضب على نحو فعال مثلها، حتى على الرغم من أن وصفتها لعلاج الأزمة الاقتصادية سوف تجعل الأمور أكثر سوءاً.

لقد بدأ القلق قبل ثلاثة عقود من الزمن، عندما بدأ في الركود، متوسط الأجور للعاملين الذكور الذي ظل يواصل الارتفاع على مدى ثلاثة عقود. واستجابت الأسر لذلك عن طريق إرسال الزوجات والأمهات إلى سوق العمل بأجور، والعمل لساعات أطول، ومن ثم، أخيرا، الغرق في دوامة الديون.

ولكن الآن قضى الكساد الكبير على آلية التأقلم الأخيرة، وتفاقمت مشاعر الافتقار إلى الأمن الاقتصادي. وأظهر استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أخيراً، أن 53؟ من أصحاب المنازل قلقون بشأن الوفاء بأقساط الرهن العقاري.

وفي ما يصل معدل البطالة بين خريجي الجامعات (ومعظمهم من المهنيين أو المديرين) إلى حوالي 5%، يبلغ متوسط معدل البطالة للأشخاص الذين يحملون شهادة الثانوية العامة أو أقل (من الطبقة الكادحة والمشتغلين في التمريض والكتبة) حوالي 20%.كل ذلك يسفر عن سياسات غضب أكثر ضراوة.

ووفقا لرؤية اليمين، فإن الكارثة التي لحقت بالطبقة الوسطى جاءت نتيجة النخب الثقافية والفكرية التي تدير وسائل الإعلام الرئيسية، وتوجه الحكومة، وتعطي الفوائد لمن لا يستحقون (من المهاجرين والسود الفقراء)، وتدعو إلى التعددية الثقافية، وتهيمن على الثقافة الشعبية (وتؤيد الإجهاض).

تتجنب «سارة بالين» الصخب المتشائم الذي يطلقه «راش ليمبو» و»شين هانيتي» ومن إليها، لكن ابتهاجها ليس مشرقاً، فهي لا تعد بفجر جديد في أميركا. إنها تعرض خيالا صرفا، وتعد بالانتقام. ومراراً وتكراراً، تقول الشيء الزائف نفسه، والساخر في قالب مزحة، وبعبارات مختلفة: «إننا نعلم شيئاً لا يعملونه. أيامهم باتت معدودة. وسوف نستعيد أميركا منهم».

تتمثل استراتيجية بالين الرئاسية في الالتفاف على المؤسسة الجمهورية. هذا هو السبب في أنها تتخذ لعبة الشهرة طريقا للترشيح من قبل الحزب الجمهوري. إنه استخفاف بالطبقة المتوسطة الغاضبة في أميركا. فلتشتروا كتابي، ولسوف نُري النخب الساحلية التي تدعي معرفة كل شيء، كتاباً حقيقياً يستهدف الشعب الحقيقي!

فلتتبعوا العرض الحقيقي الخاص بي وسوف نظهر أميركا الحقيقية، بعيدا عن المراكز الحضرية التي تضم المهاجرين والسود وذوي المعاطف الفاخرة! صوتوا لصالح رقص «بريستول» وسوف نبين للمؤسسة الإعلامية مدى قوتنا!

سوف تهدد مؤسسة الحزب الجمهوري، بأنها حال رفض الحزب الجمهوري ترشيحها فسوف تخوض الانتخابات الرئاسية كمستقلة. إن هذا سوف يحدث انشقاقاً في غالبية الطبقة المتوسطة، ويضمن هزيمة مرشح المؤسسة الجمهورية. وسوف يؤدي أيضاً إلى هزيمتها في عام 2012، ولكن هذا ثمن زهيد لكسب المصداقية والقدرة على طلب الترشيح في عام 2016.

تراهن «بالين» على أن الآفاق الاقتصادية لمعظم الأميركيين لن تتحسن قبل عام 2012، أو حتى بحلول عام 2016 وما بعده.من المحزن أن هذا هو ما سيحدث.

فأخيراً أصدر مجلس الاحتياطي الفيدرالي تكهناً قاتماً؛ حتى لو بدأ اقتصاد الولايات المتحدة ينمو بمعدل أقرب إلى معدلات التعافي بأفضل من المعدل الحالي ب5 .2 الضعيف، فإن البطالة لن تنخفض إلى مستوى ما قبل الركود الاقتصادي لمدة تتراوح ما بين 5 إلى 7 سنوات. ونسبة الأقلية من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، اعتبرت أن ذلك التقدير يعد تفاؤلاً مفرطاً.

في الواقع، فإن الاقتصاد المتردي من المرجح أن يستمر بالنسبة لمعظم الأميركيين إلى أكثر من سبع سنوات، وربما 10 سنوات أو أكثر، بسبب النقص المزمن في الطلب الكلي. فقد تركز قدر كبير من الدخل والثروة حالياً في الطبقة الأعلى، لدرجة أن قطاعاً عريضاً من الطبقتين المتوسطة والعاملة، لم تعد لديه القدرة الشرائية لتسيير دورة الاقتصاد من جديد.

لقد خسرت اليابان أكثر من عقد من النمو الاقتصادي بعد انفجار فقاعة العقارات لديها، ويمكن أن تعاني الولايات المتحدة من المصير نفسه بسهولة.

فالمشكلة الحقيقية تكمن في هيكلنا الاقتصادي، المتمثلة في الفجوة الشاسعة بين وول ستريت و»مين ستريت»، والحوافز التي يتم تشغيلها في الشركات الكبيرة لتخفيض قائمة الرواتب الأميركية والتوسع في الخارج، والحاجة لتحقيق أرباح قصيرة الأجل من أفضل الوظائف والأجور بالنسبة لمعظم الأميركيين.

إن الحل الحقيقي يكمن في تغيير هذا الهيكل، من خلال جعل الضرائب أكثر تدرجاً، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وتبني استراتيجية وطنية اقتصادية من أجل وظائف وأجور جيدة. لكن لا يوجد شيء من هذا محتمل الحدوث.

إن الحزب الجمهوري لن يعطي الرئيس أي أصوات، ويبدو أنه غير قادر أو غير راغب في أن يشرح لأميركا ما حدث وما يجب القيام به. فاطلعوا على برنامج «سارة بالين» الانتخابي.

لن تؤدي حربها على النخب الثقافية والفكرية الأميركية، إلا إلى تقسيم أميركا. ولكن في غياب أي صوت آخر يتحدث بلسان الطبقة المتوسطة الغاضبة، ويقدم حلولاً حقيقية، فربما سوف يجعلها تفوز بالرئاسة.

وزير العمل الأميركي الأسبق

vopinion@albayan.ae