يتفاخر البريطانيون بأنهم أصحاب فضل على الخلق، كونهم قدموا لهم أقدم نظام ديمقراطي وأن بلادهم تمثل أم الديمقراطيات في هذا العالم.
وهم يتيهون على الأمم بحسبهم قد أرسوا تقاليد ديمقراطية باتت تعمل، لفرط رسوخها في عقلهم الجمعي منذ حقب، بقوة الدفع الذاتي، حتى إنها محفوظة في الصدور وليست مدونة بين دفتي دستور.
على سبيل الاقتداء بهذا المباهاة، وتعبيراً عن الاقتناع بها، نجد أن بعض نخب البلاد حديثة العهد بالاستقلال وبمفهوم الدولة، تشير إلى استلهامها لقواعد الديمقراطية البريطانية.. ويزداد التوكيد على هذا المعنى كلما وصمت هذه النخب بشبهة التسلط والدكتاتورية.
لكن من سمع ليس كمن رأى وعاين واكتوى بنيران الممارسة العوراء لهذه الديمقراطية، ولاسيما الجانب القانوني منها. الحظ العاثر لكثير من العرب، وفي طليعتهم الفلسطينيون، ساقهم إلى مثل هذه المعاينة. الفلسطينيون شهود على أن للسياسة البريطانية وديمقراطيتها عيوباً بالغة الضراوة، ساهمت في تحويل مجرى تاريخهم الوطني بحيثية انقلابية.
حدث هذا التحول وما زال يتفاعل على مدار قرن بكامله تقريباً، منذ منحت لندن يوم كانت عظمى، الصهاينة تصريحاً يعد اليهود بوطن قومي لهم في فلسطين. يومها لم تكن بريطانيا تملك هذا البلد، ولا كان اليهود يستحقون ملكيته..
لقد حط السخاء البريطاني في غير موضعه من الإعراب التاريخي والقانوني بالمرة. وبفعل التطبيق الذي سهرت عليه سلطة الانتداب البريطاني، تحول هذا التصريح من وعد لليهود إلى وعيد لأهل فلسطين، وترجم العوار القانوني البريطاني إلى عار ما زالت عقابيله ماثلة في قلب «الشرق الأوسط».
الديمقراطية البريطانية أجادت فن الكيد ضد أهل فلسطين خفية وجهرة، وما يجري اليوم في فلسطين وجوارها من حرب وكرب وبلاء، هو صدى لظلامة فكرية وسياسية وقانونية، حيكت بمعرفة أم الديمقراطيات ورعايتها.
ومع كل تداعيات هذه الظلامة وتوابعها، إلا أن لندن لم تع الدرس ولا هي آبت، في ما تظهر الوقائع، إلى الندم أو صحوة الضمير..
آخر آيات استمرارية الكيد القديم المتجدد لفلسطين، هو اتجاه الحكومة البريطانية الحالية إلى منع المحاكم هناك، من إصدار مذكرات اعتقال ضد السياسيين والعسكريين الأجانب المتهمين بارتكاب جرائم حرب. وذلك بهدف حماية المسؤولين الإسرائيليين، مدنيين وعسكريين، المتورطين في مجزرة غزة العام الماضي، والذين عرفت أسماء 200 منهم.
في «أم الديمقراطيات» يجتهد ولاة الأمر لأجل إفساح الطرق والملاذات لهروب المجرمين وإفلاتهم من العدالة؛ يتغير القانون ويلوى عنقه كي يبقى المجرمون أحراراً طلقاء. إنهم يهيئون تصريحاً بالغفران؛ يشجعون به منتهكي حرمات الإنسان والقوانين على اقتراف مزيد من الموبقات، واعدين إياهم بالحماية والرعاية.
ثم ان هذا الاجتهاد هو نذير سوء للمنظومة الحقوقية الدولية، التي أوجبت منذ اتفاقات جنيف لعام 1949 وما تلاها، ملاحقة مجرمي الحروب أينما ثقفوا. وإن رأى الساسة البريطانيون أنهم أحرار في سن تشريعات تخص سلوك بلادهم، فإنهم يلامون على تعديهم وخرقهم لشرائع الأمم المتحضرة؛ التي لها الأولوية والسبق على ما عداها من قوانين.
لنتصور كيف يكون حال عالمنا في ما لو اهتدت بقية الدول بالفعلة البريطانية؟ سوف يعني ذلك ببساطة أن يتحرك المجرمون بكل أريحية داخل بلادهم، بسبب سيطرتهم على مقاليد السياسة والقضاء والتشريع، وكذا خارج بلادهم لأن أحداً لن يسألهم عن ذنوبهم..
عندئذٍ سيتغير شكل هذا العالم ويرتد حقباً إلى الوراء. لن يصبح عالماً واحداً مظللاً بهيبة قوانين عابرة لحدود الدول والثقافات، وبالتداعي قد تغيب العدالة داخل الكيانات الدولية وفي ما بينها.
بهذا المعنى، فإن قضية التعديلات ـ ولعلها التعديات ـ القانونية البريطانية المزمعة، شأن لا يخص الفلسطينيين وحدهم، وإنما ينطوي على حمولة ومضامين عالمية.
وعليه، حري بالعاطفين الغيورين على عالم القانون والنظام داخل «أم الديمقراطيات» وخارجها، أوروبياً بالذات، رفع أصواتهم ضد هذه التعديلات، بحسبها تمثل انتكاسة وتواطؤاً يخضع القانون لأهواء السياسة المتغيرة. ولا أدل على ذلك من أن هذه الخطوة رفضت ولفظت في عهد حكومة غوردن براون السابقة، بسبب مقاومة وزير العدل فيها جاك سترو.
ترى، هل يحتاج ساسة حكومة لندن الحالية إلى من يذكرهم بأن الأصل في الممارسة الديمقراطية الحقة، هو سيادة القانون وشرعة حقوق الإنسان، بغض النظر عمن يروح ويجيء إلى سدة الحكم؟!
كاتب وأكاديمي فلسطيني
mohamedalazzar@hotmail.com