ما نشر حتى الآن من الوثائق الأميركية المسربة عبر موقع ويكيليكس، يظهر من خلال الأحاديث الواردة فيها، أن المسؤولين الأميركيين يعتبرون أن جميع القضايا في روسيا يمكن حلها بإرادة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، وليس بإرادة الرئيس دميتري مدفيديف.

ويستشف من الوثائق الدبلوماسية الأميركية أن الأميركيين يعتبرون مدفيديف رئيسا هشا وغير حازم، ويعتبرون بوتين «زعيما لقطيع من الوحوش أو الحيوانات»، وفق الترجمة الحرفية لإحدى الجمل التي وردت في الوثائق المذكورة.

وتبين تلك الوثائق أن وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» يعتبر مدفيديف أكثر براغماتية من بوتين. هذه كلها بالنسبة لروسيا أمور أكثر من عادية.

بل تبدو ساذجة بالمقارنة بالكم الهائل مما يقال عن العلاقة بين ميدفيديف وبوتين داخل روسيا نفسها، والذي قد يكون الكثير منه أكثر واقعية وموضوعية مما ورد في الوثائق الأميركية.

كما أنه من الملفت للنظر أيضا، وبحسب ما جاء في الوثائق، أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون كلفت دبلوماسييها بالتحري عن الاستثمارات الخاصة التي يتشارك فيها بوتين مع رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني.

وهذا في حد ذاته يعكس محدودية أفق التفكير لدى الدبلوماسية الأميركية التي تتعامل مع كل العالم بمفاهيمها ومعاييرها هي، فأساس العلاقات في العقيدة الأميركية هو المال والمصالح الخاصة الشخصية، ولهذا نلاحظ دائما أن واشنطن تسعى لكسب الأشخاص ولا تعير الاهتمام للشعوب.

فليس لديها من المال ما يكفي للإنفاق على شعوب العالم، لكن لديها ما تشتري به بعض أعضاء السلطة والشخصيات المرموقة في الدول والمجتمعات لتستخدمهم لخدمة مصالحها، وهذا ما فعلته وتفعله في العديد من دول العالم، وخاصة في بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، مثل جورجيا وأوكرانيا وغيرهما.

وقد تطرق رئيس الوزراء بوتين في حديثه مع الإعلامي الأميركي الشهير لاري كنغ في قناة «سي إن إن»، إلى ما نشره موقع ويكيليكس الإلكتروني من تقارير ومراسلات لدبلوماسيين أميركيين، وقال إنه لا يرى في ظهورها أي كارثة، معيدا إلى الأذهان حدوث تسريبات من هذا النوع في الماضي أيضا.

وأشار بوتين إلى أن هناك جهات محددة وراء نشر هذه الوثائق وليس الموقع نفسه، وأن هناك معلومات عن قيام طرف ما بمخادعة «ويكيليكس» للاستفادة مما نشر على هذا الموقع في وقت لاحق لأهدافه السياسية..

وعلى كل حال، وصف بوتين التقييمات المتضمنة في الوثائق المنشورة على موقع «ويكيليكس» لعلاقته بالرئيس الروسي دميتري ميدفيديف، ب«الفظة والمنحطة وقليلة الأدب».

حيث أقدم الدبلوماسيون على تشبيه بوتين وميدفيديف ببطلي الرسوم الكاريكاتيرية الهزلية الأميركية، «باتمان» ومساعده الصغير «روبين». وقال بوتين إن التفاعل الوثيق بينه وبين ميدفيديف، يمثل عاملا مهما في سياسة روسيا الداخلية والخارجية.

الوثائق التي نشرها موقع «ويكيليكس»، توضح حتى أن الكثير من المعلومات لدى الدبلوماسية الأميركية مغلوطة وبعيدة عن الواقع تماما، ومثال على ذلك ما ورد في الوثائق من أن الرئيس الأذربيجاني إلهام عالييف، هو الآخر يتحدث عن عدم استقلالية مدفيديف.

وحسب ما ورد في الوثائق، فقد أكد علييف خلال استقباله نائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز، في باكو، في فبراير الماضي، أنه توصل مع مدفيديف إلى اتفاق حول مسألة ترسيم الحدود، لكن هذه الاتفاقية لم تجد طريقها إلى التطبيق، لأنها كانت بحاجة إلى موافقة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين.

وهذا أمر غير صحيح على الإطلاق، حيث أن الرئيس ميدفيديف نفسه كانت له تحفظات كثيرة على هذه الاتفاقية، وصرح بها على الملأ. وتدعي الوثائق السرية الأميركية أن الرئيس الأذربيجاني علييف أشار في حديثه مع الدبلوماسيين الأميركيين، إلى أن مدفيديف محاط بشخصيات لا يستطيع السيطرة عليها.

وأكد علييف أن هناك بوادر مواجهة قوية بين فريقي بوتين ومدفيديف، رغم أن العلاقات بين الرجلين المعنيين لا توحي بذلك. وهذا الكلام الوارد على لسان علييف هو ما تقوله الصحف ووسائل الإعلام الروسية بالحرف، ولم تأت الوثائق المزعومة بجديد فيه. وكل من بوتين ومدفيديف يواجهان هذا الكلام بالسخرية والاسهزاء من سطحيته.

والحقيقة أنه ليس ثمة في تلك الوثائق ما يستوجب الاهتمام، أو حتى التعليق عليه، لكن باعتبارها وثائق تحمل تصريحات وأحاديث لشخصيات معروفة وموجودة على قيد الحياة، وهذه الشخصيات لم تنكر صدور التصريحات عنها.

فإن الأمر يمكن أن يتم التعامل معه من باب الدراسة والبحث والتحليل فقط، وليس باتخاذ قرارات رسمية للرد على ما جاء في الوثائق، وهذا ما أكده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال إن مثل هذه الأشياء لا تؤثر على العلاقات بين الدول ولا تأخذها الحكومات بمحمل الجدية في تعاملاتها الخارجية.

هذا إلى جانب أنّ كل ما نشر من الوثائق المذكورة حتى الآن لم يأت للمتابعين بأي جديد، ناهيك عن أن الوثائق لم يتم التحقق من مدى صحتها أصلا.

فما ورد فيها من تصريحات أو معلومات عن شخصيات رسمية في الدول معظمه متوقع ومعروف، وليس من المستهجن ولا من المستغرب أن تتضمن المراسلات الداخلية عبارات وأوصافا قد لا تعجب المعنيين بها، لمجرد نشرها على الملأ والاهتمام بها إعلاميا.

لقد صدر تكليف من القيادة الروسية لأجهزة الاستخبارات بدراسة وتحليل ما ورد في هذه الوثائق، وذلك ليس بهدف استخدامها ضد أية جهة، ولكن بهدف تكوين رؤية وخلفية عن الكيفية التي يفكر بها الآخرون، وإن كنا نعتقد أن هذا لن يضيف الكثير لما تعرفه روسيا عن الآخرين.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru