للشعوب في تاريخها أيام لها نفحات تحمل عبير الفخر والعزة والتعرض لتلك النفحات يحيي الروح ويطيب النفس وينبه من الغفلة ويشحذ الهمة ويشد من عزائم الرجال لنأخذ من دروسها العبرة والعظة ولنعلم إن التحدي أكبر محفز للإرادة وهو الذي يظهر معادن الرجال ويصنع المجتمعات القادرة بعد اختبار صلابتها وإرادتها للوصول إلى الغايات الكبرى.

ومن يتتبع مسيرة دولتنا منذ تأسيسها على يد رجال وهبهم الله من الحكمة تمامها، فأمنوا بفكرة ملئت عليهم أقطار حياتهم أمثال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله وإخوانهما حكام الإمارات اللذين أدركوا بنور البصيرة إن الاتحاد هو السبيل الوحيد إن لم يكن الأوحد لكي نكون أو لا نكون .

ولكن هذا الإدراك وحده لم يكن ليكفي لولا إرادة الاتحاد ذاتها والإيمان بها والصبر عليها هذه الإرادة النابعة من قراءة متأنية لتاريخنا استلهمت منه الدروس ونظرة فاحصة إلى مستقبل منطقتنا في ظل شتات يجعلها لقمة سائغة لكل طامع.

كان الاتحاد إذا إكسير الحياة لدولتنا وفق إرادة ربانية التقى فيها التاريخ والجغرافيا مع رجال كانوا على موعد مع القدر ليصنعوا تاريخا جديدا لتلك البقعة من العالم هذا التاريخ كان ريه عرق ودماء عانقت رمال تلك الأرض الطيبة لتنبت لنا شجرة تتجذر يوما بعد لتزداد رسوخا، غير أنه تاريخ لم يصنع بالصدفة ولا بالأماني وحدها ولكن بإرادة شعب قام ليزيل غبار التجاهل والعزلة وليدخل معركة البناء والتعمير.

وفي يقيني أن الإعجاز في قيام دولة الإمارات يأتي من عدة جوانب هو أنها نجحت في الوقت الذي شهد فيه العالم العربي تجارب وحدوية قبلها باءت جميعها بالفشل ولم ينل ذلك من تصميم الرجال على المضي قدما في طريق الوحدة باعتبار أن البديل شديد القسوة وعواقبه وخيمة على الجميع.

وبنظره هادئة وفاحصة إلى النقاط الفاصلة في حياة الأمم التي خلدها التاريخ وخلد من قاموا بها من الزعامات كانت في مجملها أقل صعوبة.

مما حدث لتاريخ دولتنا لأن من قام بأعمال خلدها له شعبه من الجهاد ضد المحتل أو إحداث نهضة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لا ننكر أهميتها أو نقلل من شأنها وتأثيرها إلا أن ذلك تم في إطار مفاصل دولة قائمة وقدر من أسباب الحياة موجود سواء قل أو كثر فما بالنا بمن أسس دولة ابتداء.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك فأحلام المؤسسين ورؤيتهم لمستقبل الدولة كانت أكبر بكثير من معطيات واقع شديد القسوة.

جانب الإبداع في هذا الاتحاد يأتي منه ذاته، من داخله من اتحاد سبع إمارات في وقت فشل فيه قادة المنطقة حينذاك من قيام اتحاد بين دولتين أو حتى قيام شكل من أشكال التكامل الاقتصادي بينها بل كان الانفصال وتقرير المصير بين الدول التي وحدها التاريخ وربطتها الجغرافية هو واقع الحال في تلك الفترة أو ما قبلها بقليل وكانت السباحة ضد هذا التيار الانفصالي تتطلب إرادة كبيرة وإيمان اختلط باللحم والعظم.

جانب الإبداع في قيام اتحاد دولتنا لم يأت فقط من التأسيس ولكن من قوته التي تزداد يوما بعد يوم ومن الإيمان الذي يتعمق بأهميته وقدرته على الصمود في عصر انهارت فيه كيانات عظمى إلي دويلات، بل تقسم فيه الدولة الواحدة إلى دولتين أو عدة كيانات بناء على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية.

وهذا لم يكن لولا جيل أسس وبنى وجيل تربى في مدرستهم وشرب من فيض حكمتهم وسار على دربهم يدركون ثقل الأمانة ومصممون على الحفاظ عليها وهذا أول ما أكده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في أول تصريح أدلى به لوسائل الإعلام عند توليه مقاليد الحكم الذي باتت دولتنا في عهده تنتقل كل يوم من حال إلى حال أفضل للدرجة التي جعلت منها قبلة كبار الزعماء والساسة إضافة إلى حضورها المؤثر على المستوى العربي والعالمي.

هذا غيض من فيض تميز اتحاد دولة الإمارات الذي يجعلني اطرح تساؤلا وهو الم يحن الوقت بعد لتخليد سيرة القادة وحكاية الشعب سينمائيا كما خلدها الواقع؟

ليتسنى للأجيال القادمة والتي أبصرت دولة الاتحاد زاهية إدراك قدر الجهد والعرق الذي بذله المؤسسون بين الأمل والرجاء كي تهنئ الأجيال القادمة برغد العيش، الم يحن الوقت أن تجسد سيرة المؤسسين سينمائيا ليعلم أبناء الإمارات كيف كنا وأين نحن اليوم؟

ليتناقلوا تلك الحكاية من السلف إلى الخلف في عصر باتت فيه الدراما ذاكرة الأمة الشاخصة التي حرصت كافة الأمم قديما وحديثا على توثيق تاريخها من خلالها والشواهد كثيرة بدءا من فيلم «الناصر صلاح الدين» وهو من أزاح الستار عن عدالة قضايانا والبعد الإنساني للعرب والمسلمين حتى في لحظات القتال ومواجهة الأعداء.

كذلك الكثير من الشباب الليبي والعربي لم يدرك مدى الكفاح الذي قام به رجال مجاهدون لمواجه الاستعمار الإيطالي إلا بعد أن شاهدوا فيلم «عمر المختار» الذي نفض عن تلك الفترة التاريخية تراب أرفف المكتبات وحولها إلى أحاديث الناس صغارا وكبارا.

وخلد فيلم «جميلة بو حريد» مسيرة كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، وجسد فيلم «غاندي» حكاية الرجل الذي واجه الإنجليز ووضع النبتة التي جعلت من الهند دولة لها شأن، ومسلسل «الملك فاروق» هو من أزاح الستار عن سيرة الرجل التي تحمل الكثير من الجوانب المضيئة في حبه لوطن، وفيلم «ناصر 56» وغيره والمقام لا يتسع.

إنني اعتقد انه قد حان الوقت لعمل فيلم سينمائي يوضح سيرة الاتحاد وقادته والإمارات وحكاية شعبها خاصة وان بلادنا لها دور لا ينكر في دفع الدراما العربية سواء التليفزيونية أو السينمائية من خلال إنتاج راق تدعمه أو إقامة مهرجانات سينمائية.

آن الأوان أن ترى الأجيال في وطننا وفي العالم كيف بدل الرجال الفرقة والشتات إلى وحدة وكيف حولوا الصحاري إلى واحات وكيف تحولت منطقة معزولة إلى بؤرة اهتمام العالم ومحل احترامه وتقديره.

كيف كانت المعاناة وكيف نحن الآن، آن الأوان ليعرف الناشئة والشباب سيرة الرجال ومسيرة الوطن حتى لو تم كتابة المجلدات والموسوعات عن هذا التاريخ العظيم تظل عدسة الكاميرا السينمائية هي الكاشفة عن تحديات الماضي وانجازاته لكي نستفيد منه حاضرا ومستقبلا ليظل شاخصا أمام أعيننا ولتصبح الصورة المرئية ذاتها جزءاً من تاريخ لكنه غير قابل للنسيان أو الذبول.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com