لقد اختلط الحابل بالنابل بين زعماء ومسؤولي دول العالم في جملة ما ينشره موقع ويكيليكس تباعا. وكأني أرى القوم ممن فضحتهم هذه الوثائق السرية حمر مستنفرة فرت من قسورة، وترى الرؤساء والزعماء والمسؤولين الكبار ومن تبعهم سكارى وما هم بسكارى وكأن القيامة قامت.

إنه منظر دراماتيكي مبك وكاريكاتوري مضحك في الوقت ذاته، شخصياته من زعماء العالم. اليوم لم يبق من رئيس وحاكم وملك إلا ونشر أو سينشر عنه قول أو تصريح أو موقف أو سوء تعبير، أو سوء طالع، الكل يضحك هذه الأيام وهذا شيء مفرح. فكم يندر الضحك في يومنا هذا في زمن تسيطر عليه الحروب والدمار والجريمة وانعدام العدالة والكيل بمكيالين والجري خلف المصلحة القصيرة المدى والهزات الاقتصادية وزيادة وباء الفقر حتى طال الأغنياء وخزائن الدول.

وجاءت تسريبات ويكيليكس التي اشتق النصف الثاني من اسمها من كلمة (التسرب) لتضفي على عالم السياسة المخفي وراء الكواليس طابعا مقلقا من الفوضى التي لا ترى بالعين المجردة. وعرف الزعماء بعضهم بعضا عن حق بعيدا عن دبلوماسية الحوار والابتسامات الصفراء. ولم يعد خافيا على أحد، لا أعداد القتلى من المدنيين في أفغانستان والعراق ولا أعداد قاتليهم ولا ما قاله هذا السفير عن ذلك الرئيس ولا ذلك الرئيس عن رئيس دولة أخرى بينهما ثأر وهمي مفتعل.

وتبين كم تقود الولايات المتحدة العالم بعصا من حديد ودون أن تكلف نفسها عناء ربط الجزرة في نهايتها، وشاهدنا اليوم كيف أصبحت هذه الدولة العظمى تتصبب عرقا في مواجهة رجل لا يملك حولا ولا قوة إلا أنه كشف ما يقارب من ربع مليون برقية دبلوماسية مشفرة على موقعه على صفحات الانترنت. وقبلها عشرات الآلاف من الوثائق السرية المتعلقة بالحرب في أفغانستان والعراق. لقد قتل في حرب العراق وحدها ما يقارب الـ 109 آلاف مدني أعزل.

وهذا رقم مهول. وما خفي أعظم. ولأن لكل فضيحة ثمن، فإن مؤسس هذا الموقع أصبح مطاردا من قبل الانتربول بتهم لا علاقة لها في الظاهر بنشر تلك الفضائح، وإنما بتهمة التحرش الجنسي التي ليس عليها شهود ولا وثائق مكتوبة، بينما يترك مجرمو الحرب التي فضحتهم تلك الوثائق يسرحون ويمرحون حيثما شاؤوا.

وللعلم، فإن هذا الموقع قد تأسس منذ أكثر من أربعة أعوام، واختص بنشر الفضائح التي لها علاقة بخرق حقوق الإنسان وانتشار الفساد. ومؤسس هذا الموقع هو جوليان أسانغ، استرالي المولد والجنسية. ويبلغ من العمر فقط 39 سنة ولكنه استطاع في فترة زمنية قياسية أن يصبح أشهر من رئيس استراليا والسويد وبريطانيا وفرنسا واليابان مجتمعين.

واختارته مجلة فوربس من بين أكثر 68 شخصية نفوذا في العالم! أي من كل ملحني ومطربي العالمين العربي والغربي مجتمعين! فهو يعزف ويغني للعالم على طريقته الخاصة. واستطاع أن يجعل العديد من شخصيات العالم السياسية والدبلوماسية لا تشعر لا بالبهجة ولا تتغنى على ليلاها. وهكذا بين ليلة وضحاها أقام الدنيا ولم يقعدها.

من بين النوادر التي ترتبت على نشر تلك التسريبات ردة فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي هدد برفع دعوى قضائية ضد السفير الأميركي لدى أنقرة إيريك إدلمان الذي ادعى قبل سنوات أن ثروة أردوغان مودعة في 8 حسابات في عدد من المصارف السويسرية. ما أثار غضب رئيس الوزراء التركي وتعهد بالتنحي عن منصبه إذا ما ثبتت صحة تلك الادعاءات، مؤكدا أنه لا يملك حتى مليما واحدا في أي مصرف سويسري. وقد ورد ادعاء السفير الأميركي في وثيقة سرية مؤرخة في عام 2004 أرسلها إلى وزارة خارجية بلده.

ولا شك أن هذه الوثائق قد أغضبت الكثيرين من رؤساء وزعماء العالم وليس فقط رئيس الوزراء التركي. وأكثر من أغضبته منهم، العرب، وكان الأجدر بهم أن يهللوا لأنهم حصلوا على المركز الأول في المنافسة على أكثر من ورد ذكرهم في تسريبات ويكليكس.

نحن نعيش عالما كارتونيا كاريكاتوريا هزلا. تداخلت فيه السياسة بالجاسوسية بعمليات القتل الجماعي وكأنها مسألة اعتيادية. ولولا كونها وثائق مكتوبة وليس مجرد ادعاءات شهود زور كما يحدث في لبنان، لقلنا أن نصف تلك الاتهامات كاذبة.

وأصبحنا اليوم نقرأ الأخبار ونتابعها على شاشات التلفزة ولسان حالنا يقول متأثرين بنشر تلك الفضائح: يا ترى ما الذي قيل حقيقة في ذلك الاجتماع وتلك المؤتمرات وهاتيك البرقيات؟ أصبحنا نشكك في كل ما نقرأه ويقال لنا بعد أن كنا سابقا نصدق ثلاثة أرباعه ونكذب ربعه الآخر.

باختصار، لم تعد هناك مصداقية في عالم اختلطت فيه الحقائق بالأكاذيب خاصة بعد سقوط بغداد. حتى بوش نفسه الذي ادعى امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وسمح بمذبحة نتج عنها أكثر من 000. 109 قتيل مدني عراقي ناهيك عن الجنود العراقيين الذي أجبروا على الحرب والمهجرين الذين غادروا بلدهم والجرحى والأطفال المشوهين من جراء استخدام أسلحة الدمار الشامل المعقدة من قبل الجيش الأمريكي (تماما كما حدث عام 2008 في غزة على يد قوات الجيش الإسرائيلي التي خلفت آلاف القتلى والجرحى).

أمام أعين زعماء العالم المتحضر في الغرب والشرق ممن تحالفوا معه في تلك الحرب وأيدوه فيها، حتى بوش نفسه في مذكراته التي قام بتسريبها (!) بنفسه، يبدي ببرود تعجبه من عدم وجود تلك الأسلحة؟

على من يا ترى يضحك زعماء العالم؟ وكأنهم جاؤوا من كوكب غير كوكبنا الذي ولدوا عليه وتربوا عليه وأصبحوا زعماء عليه بقدراتهم الفذة على المناورة واللف والدوران واللعب بالنار. ويأتينا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو بنصيحة للزعماء العرب لكي يتجنبوا أي فضائح مستقبلية بأن يقولوا الحقيقة لشعوبهم. لكنه واثق بأن إسرائيل لن تطلها تلك الفضائح !

بعد اليوم لن يعود هناك سر. فموضة نشر الغسيل الوسخ لزعماء الكرة الأرضية (الملوثة أصلا بمخلفات المصانع الغربية) على أسلاك النت ـ كما هو في عالم الباباراتزي - ستتوسع وتزداد وسيتسابق عليها الصغار والكبار من كل مكان مرة بالقرصنة وأخرى بتقديم خدمات التسريب لوثائق تقع بين أيديهم وصور فيديو يقومون بتصويرها طلبا للشهرة أو للمال، ولن يعود هناك أحد في مأمن من كتم سره حتى بين جدران بيته.

إنها ثورة جديدة في عالم انتقال وتبادل المعلومات، وهي حرب جديدة شريفة طرفاها الإنسان العادي والمسؤول. وهي حرب قد تقلب موازين القوى بشكل جذري على المدى البعيد. وقد تصبح العلاقات بين الدول أكثر شفافية وبينها وبين شعوبها أكثر وضوحا.