وجه الرئيس الروسي دميتري مدفيديف عبر مدونته الالكترونية انتقادا مفاجئا للوضع السياسي في البلاد. جاء في المدونة ان «عوارض الركود بدأت بالظهور في حياتنا السياسية منذ أمد معين. فإذا لم يكن لدى المعارضة أدنى فرصة للفوز في منافسة عادلة، فسيبدأ وضعها بالانحطاط وستتحول إلى قوة هامشية.

ومن ناحية أخرى، إذا لم يكن ثمة أي احتمال لخسارة الحزب الحاكم فإن هذا الحزب سيتحجر بكل بساطة، وفي نهاية المطاف سيبدأ وضعه بالانحطاط أيضا كأي كائن حي يبقى بلا حركة». وعلى ما يبدو أن حزب «روسيا الموحدة» الحاكم يؤيد الرئيس في رأيه وقد انعكس ذلك في الاعتراف السريع الذي صدر من الحزب بصحة أقوال رئيس الدولة دون تردد.

فبعد حوالي ساعتين من نشر كلمة مدفيديف على الانترنت أعلن رئيس اللجنة المركزية لحزب «روسيا الموحدة» آندريه فوروبيوف أن حزبه موافق على ما ورد في كلمة الرئيس، كما عبر عن أمله بأن «تصغي المعارضة لهذه الرسالة وان تفهمها بشكل صحيح».

والواقع أن هذا الوضع الذي يتحدث عنه الرئيس ميدفيديف قائم بالفعل منذ نحو ثماني سنوات مضت لم تمارس فيها المعارضة البرلمانية في روسيا أي دور يذكر، وحتى لو قيل بأنهم في المعارضة لم يطالبوا بشيء وأن النظام الحاكم يحظى بشعبية كبيرة وكاسحة فإن هذا ليس مبررا للصورة السلبية التي تبدو فيها المعارضة في روسيا، والتي أحيانا تفهم لدى البعض في الخارج بأنها تمثيلية داخلية موزعة فيها الأدوار بهدف تهميش قوى أخرى معارضة ، والحقيقة أن ممثلي أحزاب المعارضة لم يتلقوا أي إشارات إيجابية من طرف الحزب الحاكم منذ أمد طويل.

ولذلك رأى بعضهم في تأكيدات الرئيس ميدفيديف بأن «المعارضة ليست عدوا» مجرد نوع من السخرية، خاصة وان الوضع على أرض الواقع مختلف تماما، حيث يرى بعض رموز المعارضة الروسية أن حزب «روسيا الموحدة» يتعامل مع منافسيه كأعداء لدودين. ويرى الخبراء أن غياب أي شكل من المنافسة جعل الحزب الحاكم يحتكر الحياة الحزبية في روسيا.

وبغض النظر عن أن دور الأحزاب الأخرى في الحياة السياسية للبلاد أصبح مهمشاً تماماً وأن الحزب الحاكم أقوى بكثير من بقية الأحزاب مجتمعة، فإن هذا الحزب كثيرا ما يقمع أي محاولة من قبل منافسيه لاتخاذ خطوات أو قرارات مستقلة لا تعجب منظريه. كما يتم الضغط على المعارضة عبر سنّ تشريعات معينة وباستخدام الموارد الإدارية أيضا.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك نتائج الانتخابات الإقليمية الأخيرة التي أسفرت عن فوز كبير لحزب «روسيا الموحدة» في جميع الوحدات الإدارية الست حيث جرت انتخابات المجالس التشريعية المحلية. ومع ذلك فإن بقية الأحزاب التي شاركت في الانتخابات ثارت ثائرتها على الأساليب المتبعة في تنظيم العملية الانتخابية وفرز الأصوات.

وأشد ما أثار استياء المعارضة هو الكم الهائل من المخالفات والفضائح التي اعترت تلك الانتخابات. ولكن حزب «روسيا الموحدة» لم يستجب لمطالب ودعاوى المعارضة وأعلن عن نيته مقاضاة جميع المنافسين الذين يتقدمون بشكاوى كاذبة. ويعتزم الحزب الحاكم طرح مشروع قانون في البرلمان (حيث يتمتع بأغلبية مطلقة) يقضي بإنزال عقوبات جدية بحق من يتقدم إلى اللجان الانتخابية بمثل تلك الشكاوى.

البعض من رموز المعارضة، وخاصة من الحزب الشيوعي، يذهب إلى أن حزب «روسيا الموحدة» مصاب بعقدة العظمة، وأن هذا الحزب يظن انه قادر على إدارة البلاد بمفرده، ويصور نفسه على أنه حزب الأعمال الواقعية، أي أنه يحاول أن ينسب لنفسه كل ما هو حسن في البلاد، أما المسؤولية عن السلبيات فيلقيها على الآخرين، وبالدرجة الأولى على المعارضة التي يدعي إنها تعرقل تطبيق سياساته. ويرى الشيوعيون أن الحزب الحاكم لا يسعى إلى التنافس بأي شكل من الأشكال، بل يعمل على إملاء إرادته على الآخرين معتبرا ان كل شيء جائز له.

بعض الخبراء يقولون إن حزب «روسيا الموحدة» الذي ترعرع داخل «حاضنة» ليس مستعدا للتنافس مع الآخرين على أساس التكافؤ. وأن جميع الجهود التي يبذلها هذا الحزب في مواجهة منافسيه تندرج ضمن أساليب التكنولوجيا السياسية. وأن التدابير المضادة التي يقوم بها الحزب الحاكم تُتخذ بهدف تشويه جهود المنافسين أو إلغاء أثرها. فعلى سبيل المثال يتم تضليل الناخبين عبر تقديم أشخاص يشوهون صورة هذا المرشح أو ذاك من مرشحي الأحزاب المنافسة.

هناك رأي آخر مخالف بعض الشيء لأراء المعارضين يرى أن المشكلة تكمن في اقتصار دور المعارضة على طرح المشكلات وتحديد مواضع الخطأ، وأن المعارضة نفسها هي التي ارتضت لنفسها هذا الدور مقتنعة بمحدودية إمكانياتها أمام الشعبية الكاسحة للحزب الحاكم، وأن المعارضة هي التي تركت الحزب الحاكم ينفرد وحده باتخاذ القرارات.

واكتفى بعض المعارضين بالإدعاء بأنه قد تم سلفا خلق كافة الظروف بحيث لا تتمكن المعارضة من تحقيق أي شيء، والحقيقة أن المعارضة في روسيا على درجة من الضعف تجعل بالإمكان تجاهل مصالحها بالكامل. ولذا فإن المبادرة التي تقدم بها الرئيس ميدفيديف تعتبر بادرة حسن نية من طرف «الممسكين بزمام السلطة»، ذلك أن المعارضة لا تملك إلا النزر اليسير من الموارد، في حين يملك منافسوها القدرة على تغيير الوضع بالاتجاه الذي يناسبهم.