يريد المحافظون، حسبما يقال لنا، إعادة تأكيد الطابع «الاستثنائي» للولايات المتحدة. ولكن يتفق الجميع بالفعل على أن أميركا بلد خاص. وبإمكان الأميركيين أن يقدموا خدمة إذا نظروا إلى كل من الجوانب السيئة والجيدة. وبالنسبة لأميركا، وهو الأمر المخزي، تضم فقراً استثنائياً. ومن بين الدول الصناعية، تضم تركيا والمكسيك معدلات فقر أعلى.
ويزداد الفقر سوءا في أعقاب أزمة الركود الوحشية. فهناك حوالي 44 مليون شخص، بمعدل واحد لكل سبعة، كانوا يقبعون تحت خط الفقر في عام 2009، وهو العدد الأعلى منذ بدأ مكتب الإحصاء عملية التتبع قبل 51 عاماً. وهناك خمسون مليون شخص كانوا يفتقرون إلى إمكانية الحصول على الغذاء الكافي لبعض الوقت من عام 2009. ويعيش حوالي 18 مليون شخص تقريباً في وسط أسر، اضطر فيها شخص أو أكثر إلى تجاوز وجبات بسبب نقص الغذاء. وتلقى أربعون مليون شخص كوبونات غذاء كل شهر. وهناك واحد وخمسون مليون شخص لم يحصلوا على التغطية الصحية في عام 2009.
ويعتبر الفقر أسوأ بكثير بين الأميركيين من أصل أفريقي ولاتيني، والذين يعانون من معدلات فقر بما يزيد عن 25%، أي ما يعادل ضعف المعدل العام للسكان. وحالياً يعيش طفل من كل ثلاثة أطفال في أسر يتعذر عليها توفير سبل العيش لهم. وشهدت ديترويت وكليفلاند وبافالو وميلووكي أسوأ معدلات للفقر بين المدن الكبرى. ودمرت مراكز نابضة بالحياة من الغرب الأوسط الصناعي جراء إغلاق المصانع ونقل الوظائف إلى الخارج.
إن عدم المساواة في أميركا تجاوز مداه على نحو لم يشهده منذ فترة الكساد الكبير. حيث تقوم «وول ستريت» بصرف مكافآت بملايين الدولارات مرة أخرى. وبدأت الشركات تقفز أرباحها بشكل قياسي، في الوقت الذي يواجه العمال عمليات تسريح وتخفيضات في الأجور والمزايا.
ولا يزال الفقر والتفاوت أمرين مسكوتاً عنهما في العاصمة الأميركية. والنقاش الذي يدور هناك الآن يتركز على الحد من العجز، مع وعد من الجمهوريين بخفض نسبة 20% من البرامج المحلية العام المقبل. وفي خضم هذا التفاوت، فإن الرؤساء المشاركين من المحافظين فيما يسمى باللجنة المالية الرئاسية من الحزبين أصدرت تقريراً يخفض معدلات الضريبة على الفئة الأعلى، بينما ينهي الإعفاءات، ويلغي أي إشارة إلى فرض ضريبة على المضاربة المالية. وخلال العقد الماضي كان البعض ينعم برغد العيش، بينما تدهورت أحوال الغالبية. مع ذلك، فقد قيل لنا بأنه يجب على الجميع التزام التقشف والتضحية.
وأنقذ دافعو الضرائب المصارف التي فجرت الاقتصاد. ألا ينبغي أن يطلب من المصارف ورؤسائها التنفيذيين بأن يضطلعوا بدورهم في إعادة بناء هذا البلد ومساعدة الفقراء؟ لقد أصبح الدكتور «مارتن لوثر كينغ» واحداً من أكثر الأبطال تكريماً في الولايات المتحدة. ولكن ربما نحسن صنعاً بأن نعجب به على نحو أقل وأن نقلده بشكل أكبر. وعندما تم اغتيال الدكتور «كينغ»، كان يعمل بلا كلل لحشد حملة «الفقراء»، وهي المسيرة التي كانت ستجمع الفقراء والعاطلين عن العمل، من مخالف الأعراق والمناطق والديانات، متجهين نحو واشنطن للمطالبة بإعادة إحياء جهود مكافحة الفقر.
لا بد أن تنكسر حالة الصمت في واشنطن. لا يمكن أن توجد أميركا، كما قال الرئيس الأميركي الأسبق لينكولن، كدولتين منفصلتين وغير متكافئتين، ومقسمتين بين نسبة الـ 1 الذين يستحوذون على نصف المكاسب من النمو، والعديد الذين تزيد حالة عدم الأمان لديهم، مع وجود المزيد والمزيد ينزلقون إلى هاوية الفقر.
أخيراً، أعلنت لجنة المواطنين للوظائف والعجوزات والاقتصاد الأميركي، برعاية حملة مستقبل أميركا، عن علاج لتركيز واشنطن الحالي على إجراءات التقشف. وتقول اللجنة إننا بحاجة إلى إعادة اميركا إلى العمل أولاً ، ومن ثم معالجة عجوزاتنا، ليس من خلال تخفيض الضمان الاجتماعي أو الرعاية الطبية، ولكن عبر فرض ضرائب تصاعدية، وتخفيضات في الإنفاق الدفاعي المهدر والإعانات للشركات الكبرى.
ولكن هذا الفطرة السليمة لن يتم الإصغاء إليها ما لم يشترك المواطنون ذوو الوعي في اختراق جدار الصمت بشأن الفقر في أميركا. والرئيس الأميركي باراك أوباما سوف يحسن صنعاً بحشد مؤتمر يضم الحزبين فيما يتعلق بمسألتي الفقر والجوع في أميركا. لكن الدكتور كينغ كان على حق. علينا ألا ننتظر في واشنطن، وإنما ينبغي أن نقوم بمسيرة إلى واشنطن.