عاد خطر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى الواجهة مرة أخرى بعد التصريحات التي خرجت على لسان زعيم التنظيم عبد الملك درودكال دعا فيها الدول الغربية إلى الانسحاب من أفغانستان مقابل أن تنعم شعوبها بالأمن.
وذلك في رسالة صوتية قال فيها ان التفاوض من اجل الإفراج عن الرهائن الفرنسيين المحتجزين في مالي والذين تم خطفهم من احد المناجم في النيجر في شهر سبتمبر الماضي، يجب أن يجرى مع زعيم القاعدة أسامة بن لادن مستقبلا.
وأضاف درودكال المكنى أبو مصعب عبد الودود، في تسجيل صوتي «لن تنعموا بالأمن في ارض الله حتى ننعم به واقعا معاشا في فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال والمغرب الإسلامي وما لم توقفوا تدخلاتكم في شؤوننا».
وأضاف «عليه، إن أردتم السلامة لرعاياكم المختطفين المأسورين لدينا فيتوجب عليكم الإسراع بإخراج جنودكم من أفغانستان وفق جدول زمني محدد تعلنون عنه بشكل رسمي». وأكد زعيم القاعدة في المغرب الإسلامي إن «أي شكل من أشكال التفاوض مستقبلا» حول الرهائن الفرنسيين «لن يتم إلا مع شيخنا أسامة بن لادن ووفق شروطه».
وخطورة هذه التصريحات لا تأتي من كونها تعيد التأكيد على ارتباط القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، ولكن في أنها تعيد فتح ملف الخلاف بين الدول الغربية حول أسلوب التعامل مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي فيما يتعلق بسياسة خطف الرهائن. فإذا كانت وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل اليو ماري أعلنت ردا على رسالة القاعدة أن فرنسا لن تقبل أن «تملى عليها» سياستها «من الخارج».
و«أن فرنسا تقوم بكل ما بوسعها من اجل أن يتم الإفراج عن الرهائن حيثما كانوا سالمين». فإن فرنسا أقرت بالتفاوض مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي يحتجز عددا من المواطنين الفرنسيين في مالي.
فقد قال آلان جوبيه وزير الدفاع الفرنسي في حديث مع إذاعة RTL الفرنسية إن ثمة اتصالات تجري مع الخاطفين «إلا أن أفضل وسيلة لنجاح تلك المفاوضات هو بقاؤها طي الكتمان لا الإعلان عنها».
وكان الخلاف حول أسلوب التعامل قد اختفى مؤخرا إلى ان عاد وبقوة، خاصة وان فرنسا التي كانت متشددة في التعامل أصبحت تمزج بين الأسلوبين محل الخلاف وهما رفض التفاوض من الأساس والتفاوض من اجل دفع القاعدة للإفراج عن رهائنها.
وحسب الصحافي التونسي رشيد خشانة في مقال له في دورية لوموند ديبلوماتيك الفرنسية فإن أنصار الأسلوب الأول وهو استعمال القوة وهم الأقليّة حتّى الآن؛. يحذّرون من ان خيار المفاوضات لأنه سيُقوّي «القاعدة» ويضعها في موقع شريكٍ سياسيّ، بينما هم ينظرون إليها بوصفها عصابة مجرمين.
كما يقولون إنّ التفاوض سيؤدّي حتماً إلى دفع فديةٍ لإطلاق الرهائن، وبالتالي المساهمة في تمويل عملياتٍ مقبلة للقاعدة، فضلاّ عن ضرب مصداقية فرنسا التي عارضت بقوّة دفع اسبانيا أو بلدان غربية أخرى فدية لإطلاق رعاياها المخطوفين. ومعنى أن تتراجع فرنسا عن موقفها المعلن أن القاعدة اكتسب أرضية وشرعية أكثر عن ذي قبل.
ووفقا للمصدر الأسبق فإن المؤيدين للتفاوض مع القاعدة يستندون بالدرجة الأولى إلى إخفاق محاولة تحرير الرهينة الفرنسي السابق ميشال جرمانو؛ فالعملية المشتركة الفرنسية ـ الموريتانية التي جرت شمال مالي أدّت إلى إقدام «القاعدة» على ذبح الرهينة.
والأمر الملفت للنظر أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يتكون من عدة جماعات مسلحة أقواها وأكثرها عددا هي الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يرى محللون كثر أنها هي التنظيم وأنها انضمت إلى القاعدة لأسباب دعائية بحتة.
ولكن المتابع لعمليات التنظيم يجد أن منطقة عملياتها في السنوات الثلاث الأخيرة هي موريتانيا والنيجر ومالي، أي بعض ما يطلق عليها دول الساحل الإفريقي، وهو ما يؤكد أن المواجهة الجزائرية للجماعة كانت ناجحة إلى حد كبير.
وهناك من يرى أن هناك سببين أساسيين لزيادة العمليات في هذه المنطقة، الأول هو عدم التنسيق الكافي بين الدول العربية والافريقية على الرغم من اطر التعاون والتنسيق المتعددة بينهم ولكن هناك يدا فرنسية خفية تقف وراء استبعاد الدول العربية، خصوصا من العملية الأمنية، حتى تظل فرنسا مسيطرة تماما على مستعمراتها السابقة.
أما السبب الثاني فهو الصراع الفرنسي الأميركي حول مناطق النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي حيث تقوم كلتا الدولتان بتدريب جنود دول في المنطقة على التصدي للقاعدة وتجري مناورات مشتركة وتشارك بجنود فيها من اجل التصدي للقاعدة، وفي ظل حالة عدم التنسيق والتنافس يستطيع تنظيم القاعدة الكشف عن ثغرات يستخدمها في عملياته، خاصة وأن المنطقة من الناحية الجغرافية من الصعب السيطرة عليها امنيا.
وهناك من المراقبين للوضع في منطقة شمال افريقيا من يرى أن التصريحات التي صدرت عن زعيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لن تأتي في النهاية لصالح التنظيم، حتى وان كانت قد أجبرت فرنسا على إجراء تعديل نسبي على سياستها في مواجهة التنظيم.
ذلك أنها أثبتت للجناح المتشدد في الغرب فيما يتعلق بالتعامل مع التنظيم أن الأمر في المغرب العربي ليس إقليميا وان ما يحدث به لا ينفصل عما يجري في أفغانستان، هو ما سيجبر الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية على إعطاء أهمية للمنطقة، خاصة وان قوى محلية أخرى داخلية أميركية كانت تحذر الرئيس الأميركي باراك أوباما من تجاهل المنطقة والاهتمام فقط بكل من اليمن وأفغانستان.
كاتب مصري