لا يزال المشهد السياسي العراقي المعقد يحتل موقعاً متقدماً في قائمة الأولويات التي تحظى باهتمام الأوساط السياسية الإقليمية والدولية، فالأزمة العراقية لم تصبح من الماضي بعد.
الفرقاء المعنيون الذين صنعوا هذا المشهد وأداموه حتى الآن يبحثون عن وسائل جديدة لتحديث قواعد الاشتباك التي مارسوها على مدى الشهور الثمانية المنصرمة في ضوء مستجدات أفرزتها التوافقات التي انبثقت عن مبادرة رئيس إقليم كردستان.
«المجلس الوطني للسياسات العليا» يقبع في قلب أحداث اليوم، وربما سيكون سبباً في صنع الكثير منها في قادم الأيام. هذا المجلس نص على تأسيسه الاتفاق الثلاثي الموقع بين رئيس ائتلاف دولة القانون ورئيس ائتلاف العراقية ورئيس إقليم كردستان، كأحد المخارج من أزمة تشكيل الحكومة، على أن يعهد برئاسته إلى ائتلاف العراقية.
والحقيقة أن هذا المجلس لا مكان له في الدستور العراقي، إلا أن المناورات السياسية على المسرح السياسي العراقي هي التي قادت إلى فكرة تأسيسه، وذلك لضرورة وضع مبدأ المشاركة الوطنية التي نادت به جميع الكتل السياسية موضع التنفيذ.
كما أن فكرة تأسيس هذا المجلس التي تم تداولها طيلة الشهور الطويلة المنصرمة ليست فكرة جديدة تماماً، وإنما إحياء لفكرة «المجلس السياسي للأمن الوطني» الباهت اللون الذي أعلن عن تأسيسه عام 2006 والذي لم يمارس صلاحيات تذكر، مع فارق مهم بين الاثنين هو تشريع قانون خاص للمجلس الجديد يضفي عليه غطاءً دستورياً.
من الجدير ذكره في هذا الصدد هو أن تأسيس هذا المجلس لم يأت نتيجة قناعة جميع الكتل السياسية بضرورة وجوده، وإنما جاء نتيجة ضغوط شديدة، داخلية وخارجية، لتحقيق توافقات سياسية، تجرعتها بعض هذه الكتل بمرارة، بغية خلق حالة من التوازن لا تعيق عملية صنع القرار السياسي. وليس بخاف في الأوساط السياسية، داخل العراق وخارجه، بأن المجلس الجديد ليس غير ترضية لائتلاف العراقية ورئيسها من جهة، وليس غير أداة لتنفيس أزمات قد تطل برأسها على المسرح السياسي العراقي لاحقاً من جهة أخرى.
وقد ارتبط الاستحقاق الزمني لتشكيل الحكومة الجديدة بإنجاز التشريع القانوني الخاص بهذا المجلس، وهناك اتفاق تام بين الكتل السياسية على تمرير هذا التشريع في المجلس النيابي خلال المدة القانونية التي أتاحها الدستور لتشكيل الحكومة وهي شهر واحد.
تحيط بالقانون المزمع تشريعه إشكالات عديدة ومتنوعة، بعضها يتعلق بالصلاحيات التي ستمنح للمجلس الجديد، وبعضها الآخر يتعلق بآلية الأخذ بتوصياته في حال تجريدة من الصلاحيات التنفيذية، أو آلية تنفيذ قراراته في حال الإقرار بأن له سلطات تنفيذية.
كما أن بعضها يتعلق بشروط العضوية فيه، فهل سينتخب أعضاء هذا المجلس من قبل الشعب مباشرة، أم يتم تعيينهم وفق التوافقات التي ألفناها، أم أن هناك ما هو جديد؟
الالتباسات كثيرة في الأروقة السياسية العراقية حول شكل «المجلس الوطني للسياسات العليا»، وحول حدود صلاحياته، كما أن الأفكار المطروحة حول ذلك كثيرة ومتضاربة، ويكتنف بعضها الكثير من الغموض.
فهناك اتجاهان رئيسيان يتصارعان بعنف حول ذلك، ويعيدان بقوة الاستقطاب للمشهد السياسي العراقي. الاتجاه الأول يتمثل بموقف ائتلاف العراقية الذي يرى بأن المجلس الجديد ينبغي أن يكون تجسيداً حقيقياً للمشاركة الوطنية في إنضاج وبلورة رؤى مشتركة في السياسات الاستراتيجية التي تتعلق بالقضايا الخارجية والداخلية والتخطيط الاقتصادي والأمن الوطني والتصرف بالثروات وتحقيق المصالحة الوطنية.
ويرى هذا الائتلاف بأنه ينبغي أن يكون لهذا المجلس صلاحية اتخاذ قرارات لها صفة الإلزام بالتنفيذ، لأن «المجلس الوطني للسياسات العليا» يمثل جميع الأطياف المشاركة في العملية السياسية.
المجلس الجديد وفق ما يراه ائتلاف العراقية سيكون بمثابة هيئة عليا تتفوق في سلطاتها على مجلس الوزراء وعلى المجلس النيابي، فالصلاحيات المقترحة له تقع من الناحية القانونية ضمن اختصاص السلطتين التشريعية والتنفيذية وفق ما نص عليه الدستور، وهذا يتطلب إجراء تعديلات لا تقتصر على بعض فقرات أو بعض مواد الدستور فحسب، بل تتناول بعض أبوابه كذلك. وتعديلات كهذه قد تصطدم بعقبات كثيرة تتعلق بشروط التعديل وآلياته التي نص عليها الدستور نفسه، كما تتطلب الكثير من الوقت قد يتجاوز بكثير السقف الزمني المتاح لتشريع القانون وتشكيل الحكومة.
أما الاتجاه الثاني فيتمثل بموقف ائتلاف دولة القانون حيث يحرص قياديو هذا الائتلاف على التمسك بصلاحيات مجلس الوزراء التنفيذية، ويرون أن مهام المجلس الجديد ينبغي أن تقتصر على وضع السياسات العليا للبلاد، أما التنفيذ فهو من صلاحيات الحكومة، وفق ما ينص عليه الدستور.
بقي أن نشير إلى أن آلية اتخاذ القرارات في المجلس الجديد قد تجعل منه جهازاً عاجزاً أمام السلطة التنفيذية، فهناك من يقترح بأن القرار الملزم تنفيذه ينبغي أن يحظى بتأييد ما لا يقل عن 80؟ من أعضاء المجلس، وهو أمر قد يكون تعجيزياً، سيما وأن المجلس الجديد سيشكل من الطيف السياسي الذي يعتلي المسرح السياسي العراقي.
إذ كيف سيتفق أعضاء المجلس الجديد على وضع سياسات عليا موحدة يتفق عليها بهذه النسبة المرتفعة وهم ينتمون إلى مشارب مختلفة وإلى كتل سياسة لها برامج مختلفة ورؤى مختلفة للعلاقات مع العالم العربي ومع دول الجوار الأخرى ولديها فلسفات ورؤى مختلفة حول مفهوم الأمن القومي، وبعضها لديه ارتباطات بجهات خارجية.
على مستوى التجارب المتراكمة لدى الدول الديمقراطية ليس هناك حالة مماثلة تساعد في الحكم على مدى صحة وسلامة قرار استحداث هذا المجلس، وقد يكون من الحكمة أن يسعى المشرع العراقي إلى تضمين قانون شرعية «المجلس الوطني للسياسات العليا» مادة تشير إلى أنه مجلس له شرعية لأمد محدود. هذا الأمد قابل للتمديد في حال استمرار حالة التشنج في المشهد السياسي العراقي.
كاتب عراقي
