قبل بضع سنوات كان ثمة سؤال يثير قلق المجتمع، وهو : متى سيبدأ التناقض بين التسامح الغربي وغريزة البقاء على قيد الحياة؟ ها هم المهاجرون في أوروبا يعتدون على أبناء الأمة الأصلية في هذا البلد أو ذاك.
وأعضاء تنظيم «القاعدة» يتجولون بأعداد غفيرة هنا أو هناك.. والمستشارة الألمانية ميركل تعلن عن فشل اندماج المهاجرين في المجتمع الأوروبي. وعدد اليمينيين يتزايد في البرلمانات الأوروبية.
وفي سويسرا حُرم بناء المآذن، بينما مُنع في فرنسا ارتداء الحجاب. كل هذه الظواهر دليل على هزيمة يُمنى بها التسامح الأوروبي. ومن الواضح للعيان أن رعب الأوروبيين يعود بالدرجة الأولى إلى انتماء المهاجرين الديني، أي الإسلام.
وهذا الرعب ليس بلا مبرر، فبين المهاجرين المقتلعين من جذورهم لا ينتشر الإسلام التقليدي، بل الإسلام الراديكالي الذي ليس من السهل أبدا مواجهته خارج حدود المجتمع التقليدي.
فهو من ناحية يستحث المزيد من العمليات الإرهابية ويبيح من ناحية أخرى الاستيلاء على ممتلكات «الكفار» واغتصاب نسائهم وبيعهم المخدرات. وبالإضافة إلى ذلك فإن العديد من المسلمين يقولون إنهم لا يعتزمون الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وإنهم على العكس من ذلك سيعملون على إعادة بناء هذه المجتمعات بما يتناسب واحتياجاتهم الخاصة.
وقد أخذوا ينفذون ذلك فعلا، ما أدى إلى ظهور أحياء في المدن الأوروبية يُمنع فيها بيع المشروبات الكحولية ولحم الخنزير ويُفرض حظر فعال ولو أنه غير معلن على النساء السافرات وعلى رموز الديانة المسيحية. كما أن عدد هذه الأحياء في ازدياد.
وفي هذه الأيام غالبا ما يتذكر البعض تجربة الإمبراطورية الروسية التي يمكننا القول بكل ثقة أنها فعلا شيدت مجتمعا متعدد الثقافات حافظ المسلمون فيه على هويتهم الاثنية والدينية. ولكنهم عاشوا آنذاك وفق عاداتهم في مناطق منعزلة في القوقاز وآسيا الوسطى وحوض نهر الفولغا.
ثمة فرق جوهري بين أن يقوم المسلم في عيد الأضحى بنحر خرافه في قريته أو في باحة المسجد، وبين أن يفعل ذلك أمام شقته الكائنة في عمارة متعددة الطبقات جل سكانها من غير المسلمين.
إن وجود التعددية الثقافية في روسيا في القرنين 18 - 19 يعود بالدرجة الأولى للدولة القوية التي كانت تدعم السلام بين الأديان لا بالكلمة الطيبة فقط، بل وبقوة الحراب أيضا.
وعلى سبيل المثال فإن الجالية الإسلامية الصديقة للأرثوذكس تكونت عبر عمل مركزي هادف قامت به على مدى العديد من السنين السلطات التي لم تكن تكتفي بتشجيع زعماء هذه الجالية الموالين، بل وكانت تقمع بلا رحمة كل محاولات جعل المسلمين الروس «طابورا خامسا».
إننا اليوم نستهلك ما تركه لنا الأسلاف الذين لم يكتفوا بتأسيس أكبر بلد في العالم واستكشاف مكامن الثروات الطبيعية التي بفضلها نعيش اليوم، بل استطاعوا بعملهم المضني الدءوب صوغ نموذج لأمثل العلاقات بين القوميات والأديان. غير أن لهذا النموذج احتياطيا محدودا من القوة لا بد من تجديده.
إن المسلمين التقليديين بحاجة اليوم لحماية فعالة من خطر الجماعات الإسلامية العدوانية التي تشدد ضغوطها عليهم. في السنوات الأخيرة غالبا ما نستخدم في سياستنا الخاصة بالهجرة والشؤون القومية والدينية مبتكرات الليبراليين الغربيين الفاشلة، ما أدى إلى تدهور الأوضاع في هذا المجال. وإذ نلاحظ الآن انهيار التعددية الثقافية في أوروبا لا بد أن نستخلص النتائج الصحيحة.
أعتقد أن الرغبة تحدونا للعودة إلى المبدأ الذي استرشدت به السلطة الروسية قبل العام 1917، وهو : «من لا يريد العيش مع الأرثوذكس بسلام فسوف يكف عن العيش إلى جانبنا». وبهذا الموقف بالذات يمكن ضمان التعددية الثقافية السلمية الحقيقية.
من الواضح أن تنامي ظاهرة التدين في أوروبا جاء كرد فعل على العولمةِ وطمسِ الهوية الإثنية والدينية. إن أوروبا تتذكر جذورها المسيحية والمسلمون لا ينسون جذورهم. يتخوف الأوروبيون من اختلال الميزان الديمغرافي لصالح السكان المسلمين.
وتتضح أكثر فأكثر عناصر المواجهة، غير أن على أوروبا أن تتقبل فكرة أنها ستغدو متعددة الطوائف وعلى هذا المبدأ ينبغي بناء المجتمع، إذ لا طريق للتطور غير هذا الطريق.
إن الاقتصاد يتطلب قوة عمل رخيصة، ولذا يتجه إلى أوروبا أناس من المناطق الإسلامية الفقيرة. روسيا أيضا بحاجة للأيدي العاملة الرخيصة، ولن يقدم أحد على وقف عملية الهجرة. ينبغي الاتفاق مع المسلمين. وفي هذا الصدد نشير إلى أن تجربة روسيا قبل الثورة لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة.
لقد أدرك المسلمون الروس في القرن التاسع عشر أن المجتمعات المغلقة لا أفق أمامها للتطور، وآنذاك جرت ملائمة منظومة التعليم الإسلامية مع احتياجات الإمبراطورية الروسية.
وبالإضافة إلى ذلك تم إصدار صحف ومجلات وتأسيس أحزاب سياسية. ولم يكن مسلمو آسيا الوسطى يعيشون منعزلين في مناطقهم، بل عاشوا في المدن أيضا.
وعلى هذا النحو يبين لنا التاريخ أن الشعوب قادرة تماما على العيش بلا نزاعات، بل وفي إطار تعاون مثمر. إن مشكلة الإسلام الراديكالي قائمة فعلا. وثمة عاملين يؤثران على عملية اشتداد النزعة الراديكالية في الإسلام. الأول هو الجهل ونقص المعارف الحقيقية عن الإسلام.
إن تحسين منظومة التعليم تمكننا من تجاوز هذا العامل. أما العامل الثاني فهو التمييز الواضح ضد المسلمين، وإذا لم يكن متاحا للمسلم أن يصلي في المسجد، واضطر للصلاة على الرصيف أو في الوحل أو في أي مكان غير طاهر فسوف يتميز من الغيظ بكل تأكيد.
ومن ناحية أخرى إذا احتشد للصلاة في مكان واحد أكثر من خمسين ألف مسلم وأعاقوا حركة المارة ووسائط النقل، فلا شك أنهم سيثيرون حنق الآخرين من غير المسلمين.
ومن هنا نصل إلى الاستنتاج بضرورة بناء مساجد صغيرة ومتوسطة يتسع كل منها بضع مئات. كما لا ينبغي التسبب بحالات التأزم. ولا بد من الاتفاق في نهاية المطاف.
خبيرة الإعلام السياسي الروسي
