انعقدت في موسكو منذ أيام قليلة الدورة الرابعة للمنظمة التي تطلق على نفسها اسم «جمعية العالَم الروسي»، ويمكن وصف هذه الجمعية بأنها مؤسسة مدنية دولية، حيث إنها تضم في عضويتها الآلاف من أبناء الشعوب الأخرى الذين لهم صلة من بعيد أو قريب بروسيا، ويقدر القائمون على هذه الجمعية أنه في خارج روسيا يوجد ما لا يقل عن مئتي مليون شخص يرتبطون بروسيا بهذا الشكل أو ذاك.

بعض هؤلاء الناس من أصول روسية، وبعضهم من أصول مختلطة بأصول روسية، وبعضهم من الأجانب الذين عاشوا من قبل في روسيا لأسباب مختلفة، سواء للدراسة أو للعمل والبيزنس أو للتدريبات في أي مجال، أو لمجرد الاهتمام بلغة روسيا وثقافتها.

ويقول القائمون على هذه الجمعية إن مهمتهم الأساسية الاستمرار بتوسيع حدود «العالم الروسي» لا جغرافياً، بل روحياً. ولهذا الهدف تم في العام الماضي افتتاح ستين مركزا ثقافيا روسيا في أربعين بلدا من بلدان العالم، وخاصة في الجامعات الكبرى. ومن مشاريع الجمعية أيضا تسهيل عودة العلماء الروس المهاجرين.

وتجدر الإشارة إلى أن الجاليات الروسية في الخارج تلعب دورا ملحوظا في الأوساط العلمية على الصعيد العالمي. وفي هذا الصدد يقول البروفيسور في جامعة جنيف ستانيسلاف سميرنوف إن العلماء الروس شاركوا في مؤتمر العلوم الرياضية الأخير وقدموا 25 تقريرا من أصل 90 تقريرا درسها المؤتمر، علما أن من بين هؤلاء العلماء أربعة فقط كانوا يمثلون روسيا.

وقد شهدت روسيا على مدى أكثر من قرن مضى حملات هروب وتهريب العديد من العلماء والخبراء والفنانين والأدباء الروس، حتى أصبحت هذه المشكلة من أهم مشاكل روسيا، ولكن من الملاحظ، حسب تقدير القائمين على جمعية العالم الروسي أن معظم ؟ إن لم يكن كل ؟

هؤلاء المهاجرين أو الهاربين لا يفقدون الارتباط بروسيا وهم في الخارج، ودائما لديهم حنين قوي لها، حتى ولو لم يرغبوا في العودة إليها لأسباب خاصة بكل منهم، إن مشكلة «تسرب الأدمغة» معروفة منذ زمن بعيد، غير أنها تشهد بعض التغير في الآونة الأخيرة، ففي تسعينات القرن الماضي كان متوسط عدد الذين يغادرون روسيا سنويا مئة ألف شخص، بينما يغادرها اليوم حوالي 15 ألفا فقط. وثمة عوامل عديدة تكبح جماح الهجرة منها صعوبة إيجاد عمل.

يقول أندريه كوروبكوف البروفيسور في جامعة ولاية تينيسي إن 27% فقط من اختصاصيي إسرائيل القادمين من الاتحاد السوفييتي السابق يشغلون مناصب تتوافق ومستواهم العلمي، وكمثال على ذلك يقول البروفيسور إن زميلاً حصل مؤخراً على جائزة مرموقة في العلوم الرياضية، كان قبل ذلك يعمل حمالاً لبضع سنوات.

وتبين الدراسات أن العديد من العلماء الذين غادروا روسيا يضعون بعض الشروط للعودة، وبالدرجة الأولى شرط توفر الفرص للترقي في مجال المهنة. ولا بد من الإشارة إلى أن العامل المادي يلعب دورا هاما، فالحياة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية التي يقصدها معظم العلماء المهاجرين أفضل بكثير من الحياة في روسيا.

وتبين مداولات جمعية «العالم الروسي» أن لدى روسيا ما تواجه به هذا الواقع. يقول رئيس شركة «مات تيك» الأميركية يوري ماغارشاك إن «اللباقة السياسية» في أميركا اليوم تخنق حرية الكلمة، فبوسع المرء هناك أن يقول اي شيء إلا الحقيقة. ومن هذه الناحية يوجد في روسيا قدر من حرية الكلمة أكبر بكثير مما في أميركا.

ويشير ماغارشاك إلى مشكلة أخرى من مشاكل الحضارة الغربية هي العولمة الشاملة، حيث الشركات الكبرى تخنق بكل معنى الكلمة الابتكارات التي قد تؤثر على احتكار السوق من قبل تلك الشركات، فثمة العديد من التقنيات المتقدمة التي تنام في أدراجها، وعلى كل حال بوسع روسيا أن تحقق اختراقا حقيقيا إذا ما دعمت الأبحاث العلمية.

هناك فئات أخرى تنتمي للعالم الروسي، وهم الدارسون والباحثون الأجانب الذين درسوا في روسيا ثم رحلوا عنها، وهؤلاء يقدر عددهم بأكثر من مليونين من مختلف دول العالم، وكثير من هؤلاء تزوجوا روسيات ورحلوا معهن إلى بلادهم، وهؤلاء يظلون في معظمهم على اتصال بروسيا والاهتمام بأخبارها ومتابعة تطورات ألأحداث فيها.

ويشعر معظم هؤلاء بحنين قوي للذكريات التي تركها في روسيا، خاصة في زمن الاتحاد السوفييتي الذي كان يستقطب سنويا الآلاف من الدارسين من الخارج على نفقة الدولة السوفييتية، ويوفر لهم حياة كريمة وظروفا جيدة ربما أفضل بكثير من ظروفهم في أوطانهم الأصلية، وكثير من هؤلاء يحتل في بلاده مناصب ومراكز مرموقة، ويشكل دعامة للعالم الروسي المتسع.

من مهام جمعية «العالم الروسي»، إذا نظرنا إليها من منظار كوني أوسع لا تتمثل بإعادة العلماء الروس المهاجرين، بقدر ما تتمثل بإعادة روسيا إلى مجالات النفوذ التي تخلت عنها قبل عشرين عاما وإلى عالم القيم الإنسانية المشتركة. وإذا ما تحقق ذلك فقد يكف الكثيرون من مواطنيها عن التفكير بالهجرة.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru