نعرف جميعاً الطرق العديدة التي تستخدم بها شبكة الإنترنت في خدمة الإرهاب، ومنها مواقع مرتبطة بالقاعدة وفيديوهات التجنيد، ورفع أحدث ملفات الفيديو لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ، وإرشادات حول طرق التفجير. لقد كان تنظيم القاعدة والمتعاطفون معه من أوائل الذين تبنوا استخدام الشبكة العنكبوتية وقدراتها التي لا تضاهى في الاتصال بين البشر بشكل مدمر.
ولكن ظهر اتجاه جديد مضاد ، حيث بات الشرق الأوسط أكثر تواصلاً. نتيجة لذلك، يمكننا الآن تغيير مسار الحديث إلى تناول تأثير التكنولوجيا ووسائل الإعلام الاجتماعية على السلام، وليس على الإرهاب فحسب.
في الواقع كان هذا ضمن الموضوعات التي تناولها مؤتمر حضرته ، أخيراً، حول التقنية والمواقع الاجتماعية. المسألة كانت تشبه الرجوع إلى الوراء عبر آلة للزمن وإعادة معايشة الشعور بالإمكانية والحماس الذي اتسمت به السنوات المبكرة بالنسبة لشبكة الإنترنت في الولايات المتحدة.
باستثناء أنه في منطقة الشرق الأوسط، فإن هذه الإمكانية تحمل معها تعجلاً حقيقياً. وعندما اجتاحت شبكة الإنترنت الولايات المتحدة، كنا بالفعل مجتمعاً حراً، تنتشر فيه البيانات والمعلومات.
إلا أنه حتى في ظل هذا الوضع، حولت شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية الولايات المتحدة. فلنتصور إمكانيات هذه التكنولوجيا الباهرة والقوية والتي يصعب احتواؤها داخل منطقة تخضع فيها المعلومات لرقابة مشدّدة.
والأرقام مثيرة للإعجاب ، فقد أضافت النسخة العربية لموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» مستخدمين جدداً بلغ عددهم مليون مستخدم شهرياً في يونيو ويوليو وأغسطس. وبلغ عدد المستخدمين في مصر وحدها ما يزيد على 600 ألف مستخدم جديد خلال تلك الفترة.
وهناك الآن أكثر من 17 مليون مستخدم للموقع في المنطقة. المسألة لا تقتصر على اشتراكات الشباب فحسب ، ففي الإمارات وحدها ،على سبيل المثال، نجد أن نحو 70 من المستخدمين تزيد أعمارهم على 25 عاماً. وعلى الرغم من أن هذا المعدل أقل من نظيره في الغرب، إلا أن النساء يشكلن نسبة 37% من عدد مستخدمي الفيسبوك في منطقة الشرق الأوسط.
ربما الأهم من ذلك، هو عدد مستخدمي فيسبوك في المنطقة الآن الذين تجاوزوا عدد المشتركين في الصحف الورقية ، ما يعد نقطة تحول محتملة، ذلك أن المعلومات التي يراها الناس مطبوعة أسهل في التحكم بها مما يتمكنون من الدخول عليه بالإنترنت.
أما موقع «تويتر»، من الناحية الأخرى، فقد كان «مثالياً من الناحية العملية للقيام بحركة احتجاج شاملة» ، حسبما «ليف غروسمان» في مجلة «تايم» الأميركية ، وذلك من ناحية «انه سهل الاستخدام بالنسبة للمواطن العادي ، ويصعب السيطرة عليه من قبل أي سلطة مركزية».
إن الأمر لا يتوقف على موقع «تويتر» في السماح لمن هم داخل دولة بعينها في الاتصال بعضهم مع البعض الآخر، بل إنه يسمح لباقي أنحاء العالم بالاطلاع على ما يجري في وقت ما عندما يقيد النظام في هذه الدولة قدرة وسائل الإعلام الرئيسية لتغطية هذا الحدث.
وقد شاهدنا مدى جدوى «تويتر» في حالة معزولة. ففي إبريل عام 2008 ، تم اعتقال أحد المراسلين ومترجمه في إحدى الدول بالمنطقة أثناء تغطية أحد الاحتجاجات ضد الحكومة. فقد كانت الكلمة الوحيدة التي نشرها على الموقع هي «تم اعتقاله».
ومع هذه الكلمة الواحدة، انطلقت سلسلة من الأحداث. وسرعان ما بادر أصدقاؤه بالتواصل مع بعضهم ، وقاموا بالتنسيق للاستعانة بمحام للدفاع عنه. وبعد مرور أقل من 24 ساعة ، تم إرسال رسالة على الموقع بكلمة واحدة أخرى وهي: «اطلق سراحه» (فمن يقول أنك بحاجة إلى 140 حرفاً؟).
ونظراً للقوة الملحوظة والجامحة لوسائل الإعلام الاجتماعية ، فإن العديد من الحكومات في المنطقة مصممة على محاولة السيطرة عليها. وكما ذكرت صحيفة «إيبوك تايمز» خلال الصيف الماضي، تتصاعد محاولات الرقابة على هذه المواقع بالسرعة نفسها التي يزيد بها عدد المستخدمين الجدد.
فالحومة الأفغانية تحظر العديد من المواقع ومن بينها مواقع التواصل الاجتماعي. وأعلنت باكستان نواياها بفرض حظر على «ياهو» و«غوغل» و«يوتيوب». ومنعت تركيا الدخول إلى «يوتيوب» تماماً.
بطبيعة الحال، لا يعتبر الانتشار السريع للتقنية ضماناً للتحول السريع. ولكن من الصعب أن نشهد انتشار وسائل الإعلام الاجتماعية، لا سيما في صفوف الشباب، وألا نعتقد أن لهذه الوسائل القدرة على تقديم حلول جديدة، أو على الأقل توفير الفرصة لها ، لمنطقة بحاجة ماسة إليها.
ورغم ذلك، فكما رأينا، أنه يمكن استخدام التقنية في الإرهاب والانقسام، فوسائل الإعلام الاجتماعية، بطبيعتها، تميل نحو رفع الحواجز وربط الناس. وهو ما بدأ يحدث في منطقة الشرق الأوسط.
لم يعد أفضل أمل بالنسبة لأميركا من حيث التغيير في المنطقة هو العملية التي غالباً ما توجت بالفشل والمتمثلة في قيام الحكومة الأميركية بالضغط على حكومات المنطقة. وإذا حدث تغيير جوهري، فسوف يكون من القاعدة إلى القمة ، بدعم من وسائل الإعلام الاجتماعية التي تحفز هذا التحول.
رئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية