كلُّ الحق مع أيمن زيدان في قولِه، قبل أيام، إنَّ كلَّ ما يجري من أحداثٍ حواليْنا، نحنُ العرب، على مختلفِ المستوياتِ، جديرٌ بالسخرية، غير أنَّ قدرةَ المواطنِ العربيِّ على الضحك منقوصةٌ، فليست لديه مقاديرُ من الدَّعةِ وهناءةِ البال كافيةٌ لتوليدِه النكتةَ فيضحك. ولهذا السبب، وغيرِه طبعاً، لا نقعُ في محيطِ كل منا، في الشارعِ والعملِ مثلاً، على منسوبٍ وفيرٍ من البشاشةِ والحبور، ونلحظُ حضوراً غالباً للتجهّم والعبوس.

ولنا في مثال انحسارِ النكتةِ المصريةِ، وتراجع حضورِها إلى حدٍّ مقلق، دليلٌ على أنَّ المزاجَ العكر والمتوتّر يهيمنُ في الحياةَ العربيةَ عموماً، وإذا صحَّ ما قرأناه عن تزايدِ عدد مراجعي الأطباءِ النفسيين في الأردن جرّاءَ درجاتٍ من الكآبة لديهم، وأنَّ نسبةَ بيعِ مضادّات الاكتئابِ في المغرب تتزايد، وأنَّ الوضعَ الماديَّ للأطباءِ النفسيين هناك تتحسّن باستمرار.

وأنّ استهلاكَ أدوية الأعصاب، والاكتئاب خصوصاً، في لبنان يرتفع، وأنَّ الشعورَ بالقلقِ والخوفِ والخسرانِ يتعمّقُ لدى كثيرين في هذا البلد، إذا صحَّ هذا وغيرُه مما يماثلُه في بلدانٍ عربيةٍ أخرى، نكونُ أمامَ ظاهرةٍ توجِبُ على أهل الاختصاص في علوم الاجتماع دراستَها ومعاينةَ أسبابها، وهناك من أشارَ إلى أنَّ فشل الشباب، في بلدٍ عربي، في إقامةِ العلاقاتِ العاطفيةِ من أسبابِ هذا الحال، والتي منها ما يتصلُ بالظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصعبة.

التنكيتُ والإضحاكُ لونان من الإبداعِ الفنيِّ الخالص، ولا صلةَ لهما بالبلاهاتِ والسخافاتِ في عروضٍ مسرحيّةٍ رائجةٍ، في غيرِ بلدٍ عربيٍّ، تنسبُ نفسَها إلى الكوميديا، والبادي أنَّ الفقرَ صارَ بيِّناً في هذا الإبداع في المسرح، كما في المخيّلاتِ الشعبيّة التي لم تعدْ على تلك اللذعةِ الرائقةِ في إنتاجِ السخريةِ من الواقعِ وسوءاتِه، وهذه الجرائدُ العربيةُ بالكاد نعثرُ فيها على كتاباتٍ ساخرةٍ ذات حذاقة.

يحدثُ هذا فيما الذي يجري في بيئاتِنا العربيةِ جديرٌ بالسخرية، على ما قال أيمن زيدان، وفيما رداءاتُ الحال السياسيِّ تُيسِّرُ أرطالاً من الضحك. وكان محقاً دريد لحام في قولهِ، مرّةً، إنّه على الرغم من افتقارِ ساسةٍ عربٍ كثيرين إلى خفّة الدم، إلا أنَّ أداءَ غالبيتِهم في ممارستِهم السياسيّةِ أكثرُ إضحاكاً من فناني الكوميديا العرب.

ولم يبالغ عادل إمام لمّا قالَ إنَّ مسئولين عرباً عديدين يتحدّون قدراتِه على الإضحاك، والفرقُ بينه وبينهم أنّه يُردِّدُ نصاً مكتوباً في فيلم أو في مسرحية، فيما هم يكذبون متعمّدين ويعتقدون أننا نصدِّقُ أيَّ شيء.

كأن الميكانيزمات الذاتيةَ لدينا، أفراداً ومجتمعات، ليست على الكفاءةِ اللازمةِ لصدِّ الكآبةِ بإنتاجِ السخريةِ والفكاهة، فيما شرُّ البلايا ما يُضحك، بحسب قولٍ مأثور. وهنا، يحسنُ أنْ نعرفَ أنَّ جرعةً يوميةً من الضحك تجعلُ الأوعيةَ الدمويةَ تعملُ بشكلٍ أكثرَ كفاءَةً، وذكر علماءُ أنَّ الإنسانَ في حاجةٍ إلى خمس عشرة دقيقةً من الضحك كلَّ يوم تنتفعُ منها شرايينُ قلبه، ونصحت دراسةٌ في جامعةٍ أميركيةٍ بمشاهدةِ الأفلام الكوميدية، لأنّها تُعزّزُ تدفقَ الدم إلى القلب.

ولعلّ هذه الحاجةُ النفسيةُ والبدنيةُ للضحك هي ما استدعت تنظيمَ دولٍ مهرجاناتٍ ناجحةً للضحك، تشهدُ ازدياداً مرتفعاً لمرتاديها، كما في تونس وألمانيا وسويسرا، والأردن أخيراً. واتصالاً بهذا الأمر، أَشْهَرَ طبيبٌ هنديٌّ يوماً عالمياً للضحك، حدّدَه في الثاني من مايو كلَّ عام، وهذا سمير غانم يدعو في حوارٍ تلفزيونيٍّ معه، قبل أيام، إلى أنْ يُخصّصَ العربُ يوماً سنوياً يزاولون في أثنائِه أعمالَهم وهم يضحكون.

وأمامَ تضاؤُلِ البهجةِ في حياتِنا، وشيوعِ أنّ الضحك خِفّةٌ والتكشيرةُ مهابةٌ، نظُنّنا في حاجةٍ إلى هذا اليوم، لعله يكونُ تمريناً دورياً لخيالِنا ومداركِنا، بل وأبدانِنا أيضاً، على اجتراحِ ضحكٍ صافٍ، سيّما وأنَّ المُضحكاتِ (المبكيات؟) حوالينا بلا عدد.