كان لابد أن تنعكس نتائج قمة روسيا والناتو على تطورات الوضع في القوقاز، وعلى سياسات نظام الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي في المنطقة.

القمة التي انعقدت في لشبونة، نجحت في إزالة التوتر الذي خيم على علاقات روسيا مع أوروبا، بل أن هذه القمة شهدت إطلاق مرحلة جديدة من التعاون بين روسيا والناتو في عدة مجالات حيوية. منها مكافحة الإرهاب والمخدرات في أفغانستان، وبناء منظومة دفاعية صاروخية، ومجالات أخرى لا تقل أهمية عن هذه الملفات.

ولعل الوضع الجديد في علاقات روسيا وأوروبا وكذلك وضع روسيا وحلف الناتو يضع نظام الرئيس ساكاشفيلي في مأزق سياسي.

وبعد أن كان يسعى لتشديد الضغط على روسيا عقب صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تضمن إمكانية عودة اللاجئين إلى إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذان يتمتعان بالحكم الذاتي في إطار السيادة الجورجية.

وأعلن ساكاشفيلي آنذاك أن هذا القرار نصر مهم، وانه سيحقق النصر الكامل بإجبار ما يعتبره هو احتلالاً روسياً للإقليمين على مغادرة المنطقة.

الآن ساكاشفيلي مع التغيرات الأخيرة اضطر للتراجع عن موقفه، إذ أعلن في كلمته أمام البرلمان الأوروبي إن جورجيا تحتفظ بحقها في حماية سيادتها ولكنها لن تشن حرباً على الانفصاليين في إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

بل والتزم في حديث مع جريدة «فيغارو» الفرنسية بعدم التفكير في استخدام القوة العسكرية ضد روسيا رغم قناعته بأنها «تحتل 20% من الأراضي الجورجية»، في إشارة إلى وجود قوات روسية في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

ولم يقتصر الأمر على التزام ساكاشفيلي بعدم الاعتداء على جيرانه الصغار، وبعدم تفجير حرب في القوقاز أمام الغرب، وإنما أعلن الرئيس الجورجي عن استعداده لإجراء حوار واسع النطاق مع روسيا في أي مكان دون أي شروط مسبقة وذلك لمعالجة المسائل الرئيسية إذا ما أعربت روسيا عن رغبتها في إجراء محادثات.

ترافق ذلك مع تصريحات المتحدث الرسمي باسم حلف الناتو جيمس أباتوراي، والتي أكد فيها أن الحلف لا يمكن أن يوافق على انضمام جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي إلا بعد توافر الشروط والمعايير المفروضة على الأعضاء في الحلف في البنية التحتية والدفاعية لجورجيا، وذكر اباتوراي أن السكرتير العام للحلف راسموسين كان قد أبلغ الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي بذلك.

ما يعني أن جورجيا فقدت الدعم الغربي في المعركة التي فجرها ساكاشفيلي ضد روسيا، بل انها لن تحصل على إمكانية الانضمام للحلف.

ولعل الرئيس الجورجي أدرك أن الغرب قد عدل من سياساته تجاه روسيا، ليس فقط بسبب أخطاء ساكاشفيلي ومساعيه لتوريط الدول الأوروبية في مستنقع صدام عسكري خاسر، وإنما أيضاً لأن مصالح أوروبا تتطلب التعاون مع روسيا في مجالات أكثر أهمية وحيوية من نظام ساكاشفيلي.

ولاشك أن هذه التطورات تكشف عن هزيمة ساحقة لساكاشفيلي وسياساته في إقليم القوقاز، بل ولابد أن تزيد من حدة أزمة نظامه السياسية.

باعتبار انه زج ببلاده في حرب لا طائل منها، وتسبب في سقوط مئات أو آلاف الضحايا من الجانبين في اشتباكات دامية لم تسفر سوى عن معاداة روسيا التي تحتضن نحو مليون مهاجر جورجي يقيمون ويعملون في عدد من الأقاليم الروسية، وتحصل جورجيا على ما يزيد على ملياري دولار من تحويلاتهم إلى أسرهم في بلادهم.

ويبدو واضحاً أن التغييرات التي طرأت على خطط وأساليب الغرب في التعامل مع مصالحه في المنطقة، سببت إرباكاً لحكومة تبليسي التي لم تدرك منذ البداية أن دفعها لخوض صدام مسلح ضد القوات الروسية يستهدف إزاحة التواجد الروسي في إقليم القوقاز لحساب شركات النفط والغاز الأميركية. ولكن بعد أن وجدت هذه المؤسسات سبلاً أخرى لتحقيق مصالحها.

واكتشف الناتو أن الخروج من أزماته في أفغانستان وفي ملفات التسلح النووي يتطلب تعاوناً وثيقاً مع روسيا لم يعد للدور الجورجي أهمية تذكر، ولم تعد لجورجيا كلها قيمة لدى الغرب، ولم يعد لساكاشفيلي أية أهمية لدى واشنطن التي راعت من قبل مغامراته الطائشة ودعمته وأوهمته أنها تقف ورائه، وأنها لن تتركه وحده.

لقد وجد ساكاشفيلي نفسه فجأة معزولاً بلا دعم ولا سند ولا حليف، ولا حتى صديق، بل أكثر من ذلك أصبح ساكاشفيلي عائقاً أمام تفاهم الغرب مع روسيا حول الملفات الساخنة. لذا اضطر بنفسه للبحث عن مخرج من هذه الأزمة التي تهدد مصير نظامه داخلياً ووضعه على الساحة الدولية.

لكن لجوء ساكاشفيلي للحديث عن استعداده للتفاوض مع روسيا دون شروط ووعده بعدم شن حرب جديدة لن يؤثر على موقف موسكو التي مازالت ترى في هذا النظام خطراً يهدد أمن منطقة القوقاز واستقرارها. ما يتطلب تفاهماً روسياً ـ غربياً على التجاوب مع تعديلات تتلاءم مع مصالح جورجيا وتحقق أمن القوقاز.

خبيرة الإعلام السياسي الروسي

mekhaelovna@mg.ru