عرفت الإمارات الصحافة المقروءة عبر التجارة حيث كانت بعض الصحف سواء العربية والأجنبية تصل مع السفن التجارية القادمة من مختلف أنحاء العالم، وكان لإمارة دبي السبق في ظهور بدايات الصحافة المكتوبة عام 1963 كونها عرفت أول مطبعة عام 1953 .

مما ساعد على صدور أول مجلة منتظمة تحت اسم «أخبار دبي» عام 1966 لتبدأ مسيرة شديدة الوثبات الواثقة من الصحافة المقروءة أعطاها الاتحاد دفعات متتالية لإيمان قادته بأهمية الصحافة ودورها في تنمية الوعي الوطني ورسم صورة دولة الاتحاد في الجوار العربي والإقليمي والدولي.

هذه الدفعات التي جعلت صحافتنا تمر بمراحل تحديث تتوثق عراها يوما بعد يوم من حيث الشكل والمضمون مما جعل صحفنا الإماراتية تنال جوائز دولية. وما حصدته جريدة البيان من تقدير دولي سبقت به صحفاً عربية لها تاريخ لا يمكن إنكاره أو تجاهله إلا أن الفضل ليس دائما لمن سبق لكنه لمن سبق وصدق وثابر على أن يكون في المقدمة.

ومازالت طموحاتنا كبيرة في ظل قيادة رشيدة تؤمن بحرية الرأي والمسئولية المجتمعية في وقت مما ساعدت على عدم انجراف صحافتنا في صراعات ضيقة، بل جعلت منها أداة للتجميع وليس للتفريق الذي يطل علينا بين الحين والآخر بوجهه القبيح عبر بعض الممارسات الإعلامية القاصرة لبعض الإعلاميين مما أشعل نارا للفتنة في المجال الرياضي لتلتهم تاريخا من الكفاح المشترك بين شعوب عربية.

وفي أمسية ثقافية بكلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا حول «الإعلام الرياضي» جاب فيها الأستاذ «ضياء الدين علي» جنبات صحافتنا موضحا أن القطاع الرياضي من أكبر القطاعات في معظم دول العالم لأنه لا يقتصر على شريحة أو فئة معينة من المجتمع، فأي منا قد يكون رياضيا من خلال الممارسة الفعلية لإحدى الرياضات والألعاب، أو رياضيا من حيث ثقافته واهتمامه أو رياضيا من باب التشجيع والانتماء.

وفي الإمارات تحديدا تبوأ الإعلام الرياضي مكانة بارزة في المنظومة الرياضية الدولية لأنه بدأ من حيث انتهى الآخرون، ومنذ لحظة ميلاده شهد له بالتفوق والتميز على الصعيد العربي ساعده في ذلك اهتمام مختلف قطاعات الشارع الإماراتي بالملاحق الرياضية وبخاصة فئة الشباب، بل إن الإعلام الرياضي أصبح يمثل أحد أهم وأقوى حلقات المنظومة الرياضية في الدولة ودلل على ذلك بأمرين:

الأول: أنه أول القطاعات التي عرفت الاحتراف وطبقته من خلال عناصره، وكان بذلك هو القطاع المحترف الوحيد لثلاثة عقود من الزمان، وهي تقريبا عمر الحركة الرياضية التي كانت حتى عام 2006 ترفع لواء الهواية.

الثاني: أنه أصبح من العلامات المميزة والمرجحة لكفة التنظيم الإماراتي لأية بطولة أو دورة تقام على أرض الدولة، حيث يؤمن الإعلام للحدث أيا كان قدرا كبيرا من النجاح وقد شهد الإعلام الرياضي بالدولة شهادات دولية بهذا الخصوص.

والحق أنني لا أستطيع أن أدعي تخصصا في الرياضة وعلاقتي بها لا تتعدى مشاركتي لأبناء منطقتنا لعب كرة القدم في زمن الصبا وفي سن الشباب واكتفيت بالمتابعة أحيانا لما زحفت علينا الدنيا بشواغلها.

غير أن ما نعيشه هذه الأيام من فعاليات خليجي 20 وما سبقه من فعاليات وما سيأتي بعده تؤكد أن النظرة للرياضة في عصرنا الحالي باعتبارها مجرد ألعاب تبدأ بصافرة الحكم وتنتهي بصافرة أخرى هي نظرة ضيقة تنم عن تبسيط مخل لأنها تعدت ذلك بكثير.

فالرياضة باتت تعبيرا عن الوجه الحضاري لأية دولة بل وقوة اقتصادها وبنيتها التحتية سواء الرياضية أو المعيشية.

فإحدى مؤشرات رفاهية الشعوب عدد الملاعب المتوافرة لديها في شتى الألعاب وأي حدث رياضي عالمي أو إقليمي يتم تنظيمه في إحدى الدول لا ينظر فقط إلى كفاية ملاعبها ومنشآتها الرياضية ـ التي تتطلب مواصفات خاصة وأموالاً طائلة ـ لكنها تتعلق كذلك بمدى توافر الفنادق وسبل الإعاشة بل وحركة مرور السيارات ومدى سهولتها وانسيابها.

بالإضافة إلى الأمن العام وهذا يبرر تلك الفرحة العارمة التي نراها تطل من أعين الناس حكاما ومحكومين عند اختيار بلدهم لاستضافة حدث رياضي باعتباره شهادة «صلاحية دولية» والفشل يكون مخيبا للآمال فكيف بمن لا يستطيع أن ينجح في إدارة حدث أن ينجح في إدارة ما هو أكبر من ذلك!

الرياضة باتت عنواناً للاستقرار الأمني للدول. فقدرة الدولة على ممارسة أبنائها للرياضة داخليا والاشتراك فيها أو استضافتها لهي رسالة تعني أنها مازالت قادرة على الحياة مهما كانت التحديات.

وما يحدث الآن من استضافة اليمن الشقيق لبطولة خليجي 20 ومؤازرة دول الخليج لها في إنجاح هذا الدور رغم التحديات قد تعدى المجال الرياضي ليدخل في صلب الأمن والاستقرار.

الرياضة هي مجال استعراض قوة الدولة التكنولوجية ولا أنسى يوم أن تمنى أحد المسئولين عن تنظيم كأس العالم لكرة القدم في أميركا عام 1994 أن يحدث تلف لأعمدة حراسة المرمى أثناء سير المباراة ليرى العالم حداثة التكنولوجيا الأميركية في كيفية التغيير والمدة الزمنية التي ستأخذها.

وما نراه في اعتماد الإبهار الشديد عند افتتاح وختام المناسبات الرياضية لهو إظهار للوجه الحضاري والتقدم التكنولوجي للدولة في وقت يرنو سكان الكرة الأرضية بأبصارهم إلى نقطة واحدة من العالم وهي مكان انطلاق الحدث الرياضي.

الرياضة صناعة ضخمة تحتاج إلى ضخ مستمر لرأس المال إلا أن زواج رأس المال والرياضة أبعدها عن من صنعوا لها هذه الشعبية الجارفة وهم الفقراء ـ الجمهور الحقيقي لها ـ وأبقت مشاهدتها على القادرين ـ بعد نظام «التشفير» ـ وهذا سيفقدها الكثير لأنها أنسهم وونسهم ومصدر سعادتهم ومحور أحاديثهم.

الرياضة هي حكاية الإرادة وقصة الإخفاقات التي يخرج من رحمها الانتصارات وهي بوتقة صناعة القدرة البشرية على تقبل الخسارة ومد يد التهنئة والمصافحة للغالب بما يسمى حصريا «أخلاقا رياضية» ليخرج من قمقم الهزيمة مارد النجاح فالأيام دول وهذا مضمون ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وشاهده العالم يوم أن أسعدنا منتخبنا لكرة القدم بالفوز بكأس الخليج وسيستمر بإذن الله.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com