يعتبر قرار «ناتو»، الصادر أخيراً، بتمديد القتال في أفغانستان، لما لا يقل عن أربع سنوات أو أكثر، خطأً جسيماً. فهي حرب لا يمكن الظفر بها، بالنيابة عن حكومة لا يمكن الثقة بها في حل مشكلة لم تعد قائمة، وكل ذلك مجرد إهدار للمال والعتاد والأرواح.
وحتى اليوم، فإن الرئيس الأميركي باراك أوباما يدعي أن الهدف من الحرب هو حرمان تنظيم القاعدة من أن يجد ملاذاً في أفغانستان. وقال: «فيما نقف على أعتاب السنة العاشرة من القتال، علينا ألا نغض الطرف عما هو على المحك».
في الحقيقة، ليس هناك الكثير على المحك. فكما يعلم معظم الناس، تأوي أفغانستان القليل من عناصر القاعدة، إذا وجدوا أساساً،.
جميعهم هرب منذ وقت طويل إلى باكستان، وفي غضون السنوات التسع منذ بداية الحرب بادروا جميعاً بتأسيس مراكز إرهابية في اليمن والصومال والعراق وإندونيسيا وشمال افريقيا، وعدة أماكن أخرى.
ويبدو أن الولايات المتحدة و«ناتو» غير قادرين على مهاجمتهم بشكل مباشر في أي من تلك الأماكن الأخرى. ولكن إذا انسحبت القوات الغربية من أفغانستان وعاد تنظيم القاعدة، فإن مهاجمتهم هناك سوف يكون عملاً سهلاً نسبياً. فماذا بوسع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي عمله؟
الآن، ومع تمركز كل هؤلاء المتطرفين على الحدود في باكستان، فإن: «عدم وجود وضع أفضل في باكستان، لن يمكننا الانتصار في أفغانستان» على حد قول «ريتشارد أرميتاج»، الذي شغل منصب نائب وزير الخارجية الأميركي ومساعد وزير الدفاع.
إليكم السبب: فالقادة العسكريون يدعون الآن تحقيق نجاح ملحوظ من خلال السيطرة على قندهار معقل المتطرفين من حركة طالبان. فبينما قتل الجنود عدداً كبيراً من المسلحين، فإن العديد من المئات الآخرين هربوا، وعادوا عبر الحدود إلى باكستان، في انتظار رحيل الأميركيين . لذا فما هي الخطة المعدة لهذا اليوم؟
من المفترض أن يبدأ الجنود الأفغان في توفير الأمن في الوقت الذي تبدأ قوات «ناتو» في الرحيل. فيبدو تقريباً أنه لا يوجد أمن على الإطلاق.
نشرت بعثة التدريب التابعة لـ «ناتو» في أفغانستان، أخيراً، أول تقييم سنوي لها حول التقدم الذي تم إحرازه. إنها وثيقة قاتمة.
استأجر المدربون قوة جديدة تتمثل مهمتها في سد الفراغ الأمني في كل مدينة على حدة في الوقت الذي تنسحب القوات الغربية. ولكن المدربين يجدون أنفسهم يدربون أشباحاً. فبمجرد الانتهاء من التدريب، يختفي معظم هؤلاء الجنود. فهم يهربون ليلاً.
وخلال عام 2009، بحسب ما ذكر التقرير، غادر 2 .85% من الجنود صفوف الخدمة. المعدل يتحسن قليلاً خلال العام الجاري. ففي المتوسط كل شهر، هناك 2 .6% من الجنود يرحلون، بإجمالي ثلاثة أرباع الجنود.
فيما يعد تقليلاً من شأن الواقع، يخلص التقرير إلى أن: «مستوى الاستنزاف ما زال غير مقبول ولا يحتمل ». واكتشف مراسل لشبكة «بي بي سي» البريطانية، خلال زيارة قام بها إلى معسكر تدريب أخيراً، أنه عندما ينطلق الجنود في مهمات، «يتعين على المدربين إغلاق الأبواب في الحافلات» للإبقاء على المتدربين من القفز والهروب.
ولكن حتى العدد القليل من الجنود الذين يبقون، مازالوا يمثلون إشكالية. فما لا يقل عن 89% منهم أميّون، لا يجيدون قراءة الكلمات أو الأرقام. وتتطلب كل طريقة للتدريب المتخصص نوعية معينة من قراءة الكتب أو التعليمات.
ولا يستطيع «ناتو» أيضاً تحديد أماكن الأسلحة والمعدات إذا كان الجنود لا يمكنهم قراءة الأرقام التسلسلية أو تعبئة الاستمارات. وعمليات سرقة المعدات تتفشى.
قال التقرير إن «محو الأمية يساعد على منع الفساد»، والذي يمثل مشكلة كبيرة في أفغانستان. ويبين مؤشر مدركات الفساد الذي صدر حديثاً عن منظمة الشفافية الدولية، أن أفغانستان احتلت المرتبة قبل الأخيرة مكرر، من بين 178 دولة شملها المسح.
صدر هذا التقرير في الوقت الذي اعترف قرضاي أن إيران تمده بأكياس كبيرة من المال، حوالي 500 ألف دولار أو نحو ذلك تقريبا كل شهر أو شهرين. كما أصدر عفواً عن مسؤول حكومي رفيع المستوى قبض عليه متلبساً بأخذ رشوة.
ليس من المدهش أن الجيش الأفغاني يعتبر انعكاساً للوضع في دولته. فعندما يرسل قادة «ناتو» قوات أفغانية في مهمة، يجب عليهم مصادرة هواتفهم المحمولة، لمنع الجنود الذين يحصل على رشاوى من حركة طالبان من الاتصال بهم لإبلاغهم بما يجري.
إن أفغانستان مجتمع قبلي، ويقول المدربون التابعون لـ «ناتو» إنهم يكافحون من أجل إقناع مجنديهم «بتجاوز ولاءاتهم الشخصية والمحلية إلى الولاءات الوطنية».
كما تنتج أفغانستان 90% من أفيون العالم، وهناك عدة ألوف من الجنود الأفغان هم من المدمنين على تعاطي الهيروين. ويتسم المجتمع الأفغاني بهيكله الهرمي، لذا لا يمكن أن تجد «ناتو» من يجندهم للعمل كضباط.
وفي الوقت الحالي، يحتاج إلى 15 ألف ضابط. والعديد من الضباط العاملين بالفعل «فاسدون، وغير مدربين وليست لديهم الكفاءة».
إن الحرب لا يمكن كسبها دون جيش أفغاني فعال. ولكن تعديل الجيش وضع يتطلب تعديلاً لهذه الأمة البدائية. لا يمكن أن يتم ذلك خلال أربع سنوات-أو أربعين سنة.
هذا الجهد برمته يعتبر أمراً محفوفاً بالمعضلات المستمرة، المستعصية على الحل. وكما قال «أرميتاج»: «إننا لا يمكن الاستمرار في فعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً، ثم نتوقع نتائج مختلفة».
كاتب اميركي فائز بجائزة بوليتزر
opinion@albayan.ae
