العسكرية الروسية بدأت بالأسطول البحري في القرن السابع عشر في عهد بطرس الأكبر مؤسس روسيا الحديثة، وها هي تعود الآن للتركيز على القوة البحرية معتبرة أنها سلاح الحروب القادمة بعد التراجع الواضح لدور القوات البرية، ويشغل الأسطول الحربي الروسي أهمية كبيرة ومكانة متميزة في العسكرية الروسية.

حيث تحرص روسيا على التواجد عسكريا في جميع المحيطات وكافة البحار المفتوحة في العالم، ومن الواضح أن الروس يخططون لأن يكون لأسطولهم دور مستقبلي كبير، حيث تم تخصيص الجزء الأكبر من نفقات

روسيا العسكرية في العقد المقبل لأسطولها الحربي الذي سيغدو العنصر الأساسي في القوات المسلحة.

وهذه هي المرة الأولى منذ تفكك الاتحاد السوفييتي التي تعطى الأولوية فيها لتطوير الأسطول، إذ من المقرر تسليحه بـ 36 غواصة نووية أو عاملة على الديزل، وبأكثر من 40 سفينة من طرز حديثة تم تصميمها باستخدام تقنية «الشبح ».

ويرى البعض أن الاهتمام اللافت الذي حظي به الأسطول الروسي يعود إلى أن القيادة العسكرية السياسية للبلاد توصلت إلى استنتاج مفاده أن القوة البحرية للدولة أهم من البرية. ويشار إلى أن رئيس الوزراء فلاديمير بوتين أعلن في وقت سابق أن الأسطول الحربي بحاجة إلى برنامج تطوير طويل الأمد.

وقال في اجتماع عقد في سان بطرسبورغ لمناقشة قضايا المجمع الصناعي العسكري الروسي إن هذا البرنامج يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المهام التي يتوجب على الأسطول إنجازها في الوقت الحالي، وتلك التي قد تواجهه في العقود الثلاثة المقبلة.

ويرى بعض الخبراء أن حقبة المعارك والانتصارات الشاملة في البر انتهت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. أما النزاعات الجيوسياسية الحادة في القرن الحادي والعشرين فلا تحل إلا بمساعدة الأساطيل الحربية.

ويشار هنا إلى أن الأميركيين استطاعوا تدمير يوغوسلافيا خلال 74 يوما عام 1999 باستخدام القوة البحرية فقط، رغم أنها كانت تمتلك جيشا بريا قويا. ولقد أنجز العسكريون الأميركيون مهمتهم آنذاك دون أن ينتهكوا حدود هذا البلد.

ويبرز المحللون أن بوسع روسيا الاعتماد على أسطولها الحربي وحده في أربع حالات، حيث لا تجدي القوات البرية نفعا. ففي الحالة الأولى يستخدم الأسطول لحماية أنابيب النفط والغاز في قاع البحار ومنابع موارد الطاقة في الجرف القاري. وفي الثانية لمكافحة القرصنة وضمان أمن المسارات التجارية البحرية.

وفي الحالة الثالثة لخلق توازن على جبهات الدفاع عن الوطن حيث يتعذر تحقيق هذا الهدف بالاعتماد على القطعات البرية. والمقصود هنا هو الحدود مع الصين التي يبلغ عديد قواتها في المناطق الحدودية وحدها ما يقارب ضعفي عديد الجيش الروسي بأكمله.

كما أن قوات الصين البرية مسلحة بأحدث أنواع السلاح، بينما يعاني أسطولها من الضعف، لدرجة أن أسطول المحيط الهادئ الروسي- رغم حالته غير المثالية - يتفوق عليه من حيث القوة الحربية عدة مرات.

أما الحالة الرابعة والأخيرة فتشمل استعراض القوة البحرية الروسية في تلك المناطق من الكرة الأرضية حيث ينبغي تأكيد الحضور الروسي، ومنها على سبيل المثال أميركا اللاتينية (فنزويلا وكوبا) والشرق الأوسط (سوريا) وجنوب شرق آسيا (فيتنام).

إن رسو السفن الروسية في موانئ هذه البلاد لا يحمل أي معنى من وجهة النظر العسكرية، غير أن هذه الزيارات تزيد من رغبة الأنظمة المحلية الحاكمة بالتقارب مع روسيا، وبعقد صفقات سلاح مربحة بالنسبة للجانب الروسي.

وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى أن 7 سفن تابعة للناتو دخلت البحر الأسود في أغسطس عام 2008 بهدف تقديم الدعم المعنوي لجورجيا على الرغم من أن هذا التصرف لم يكن له أي مبرر من وجهة النظر العسكرية.

فبحسب الخبراء كان يمكن لطائرات الدعم المباشر الروسية تدمير هذه السفن بسهولة بعد أن اقتربت بشكل متهور من القواعد العسكرية الروسية.

وفي الآونة الأخيرة تعرض دور كل من الأساطيل الروسية الأربعة (الأسطول الشمالي وأسطول بحر البلطيق، وأسطول البحر الأسود، وأسطول المحيط الهادئ) إلى إعادة نظر جذرية.

لقد دمجت جميع هذه الأساطيل بالمناطق العسكرية الروسية الجديدة (الغربية والجنوبية والشرقية) وذلك في أكتوبر الماضي، ولكنها حافظت في الوقت نفسه على هيكلياتها المستقلة.

كما تعرضت مهام الأسطول للتغيير أيضا، فقد أصبح القوة الرئيسية والوحيدة لردع طموحات الصين التوسعية. أما العدو المحتمل الثاني لروسيا فهو اليابان التي تطالب بالسيادة على جزر الكوريل.

ومن المقرر أن تنفذ حاملة المروحيات الأولى من طراز «ميسترال»، التي ستتسلمها روسيا من فرنسا، دوريات بحرية في منطقة جزر الكوريل الجنوبية. وبغية حماية منابع النفط والغاز في بحري بارنتس وكارا بدأت روسيا ببناء سفن متوسطة الحجم تتمتع بالقدرة على العمل في ظروف المياه المتجمدة. كما سيتعرض أسطول البحر الأسود لعملية تحديث شاملة خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة.

وفي الظروف الراهنة تقع على عاتق هذا الأسطول مهمتان أساسيتان هما مراقبة جورجيا وحماية خطوط أنابيب الغاز والنفط، وسيُعزز أسطول البحر الأسود بسفينة أخرى من طراز «ميسترال»ستكلف بمكافحة القراصنة الصوماليين.

أما أسطول بحر البلطيق فسيتحول عمليا إلى أسطول يعمل على مقربة من الساحل، إذ ليس لروسيا أعداء في هذا البحر، وبالتالي ستقتصر مهمته على حماية خط أنابيب غاز «السيل الشمالي».

ولهذا الغرض ستتم في هذا الأسطول زيادة عديد القوات الخاصة البحرية أي رجال الضفادع البشرية المدربين على «اصطياد»المخربين.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru