لم يكن القصف المتبادل بين بيونغ يانغ وسيول في الثالث والعشرين من نوفمبر حدثا مفاجئا بكل المعايير، بل لم يكن هذا الصدام جديدا بالنسبة للمنطقة. حالة التوتر التي طالما تخللها تبادل نيران بين البلدين بدأت منذ سنوات طويلة، ومازالت مستمرة.

وقد اعتبر العديد من المراقبين أن كوريا الشمالية المسؤول الأول عن تفجير الوضع بعد أن قامت بقصف جزيرة يونبيونغ في منطقة منزوعة السلاح، ما دفع كوريا الجنوبية ـ وفق قناعة هؤلاء ـ إلى الرد دفاعا عن النفس.

بل واعتبر هذا الفريق أن لجوء بيونغ يانغ لقصف جارتها محاولة من المؤسسة العسكرية الشمالية لحسم صراع بينها وبين الإصلاحيين الذين يدعون إلى ضرورة اعتماد الليبرالية السياسية واجتذاب الاستثمارات الأجنبية.

إضافة إلى أن التغييرات السياسية في كوريا الجنوبية التي زادت من حدة التوتر بعد أن تولى السياسي اليميني لي مين باك منصب الرئاسة في كوريا الجنوبية، وسعيه الدؤوب للتقرب من واشنطن التي كافأته مؤخرا باستضافة بلاده لقمة العشرين.

كما وعدته في العام القادم باستضافة بلاده للمؤتمر النووي الدولي، وفي المقابل تتيح كوريا الجنوبية للولايات المتحدة استضافة مريحة لقواعدها العسكرية الممتدة عبر أراضيها بتعداد قوات يتجاوز الأربعين ألف فرد، في الوقت الذي تعاني فيه القواعد العسكرية الأميركية في اليابان من مطاردات ومطالبات جماهيرية وحزبية بتقليص وجودها.

ويكشف مسار الحوار بين بيونغ يانغ وسيول عن وجود إمكانية فعلية للتفاهم، إذ ان أكثر من 200 شركة كورية جنوبية تتعاون مع كوريا الشمالية في مجال التجارة، ويبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري في هذا المجال 254 مليون دولار.

وقد نفذت العديد من المشاريع الاقتصادية المشتركة بين البلدين، منها منطقة كيون سانغ السياحية ومنطقة كيسونسك الصناعية، وربط السكك الحديدية وطرق الشمال والجنوب على الساحلين الشرقي والغربي.

إلا أن العلاقات بين الكوريتين تدهورت بعد تولي لي مين باك منصب الرئاسة في كوريا الجنوبية منذ عامين، حيث رفض التعاون مع كوريا الشمالية قبل تسوية المشكلة النووية، وطالب مين باك بيونغ يانغ بالتخلي عن برنامجها النووي العسكري الذي تهدد به جيرانها دوما.

لكن مسار الأحداث والتطورات السياسية يكشف عن أن الأمر لا يتوقف عند هذا النوع من المصالح. ولابد أن نعود إلى مرحلة المواجهة بين واشنطن وبيونغ يانغ، والتي كانت نتيجة عدم التزام الولايات المتحدة باتفاقاتها مع كوريا الشمالية، وإصرار حكومة بيونغ يانغ على تصنيع الصواريخ البالستية الإستراتيجية.

ولم يسع الغرب آنذاك لتسوية الأزمة عبر إيجاد حلول وسط، واستيعاب احتياجات كوريا الشمالية، وإنما على العكس من ذلك لجأ إلى تسليح كوريا الجنوبية وإمدادها بالعتاد العسكري ودعمها اقتصاديا، رغم أن ما كانت تطلبه كوريا الشمالية أقل بكثير من نفقات تسليح جارتها الجنوبية، ولكن على ما يبدو أن واشنطن لا تريد التخلي عن لعبة الرعب التي تمارسها بيونغ يانغ لجيرانها، والتي تدفعهم للارتماء في أحضان الولايات المتحدة وطلب العون والحماية منها.

وقد كشف الموقف الصيني عن واقع تعامل الغرب مع ملف أزمة شبه الجزيرة الكورية، إذ اعتبر أن سلسلة التدريبات العسكرية التي تجريها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بالقرب من شبه الجزيرة الكورية ستؤدي إلى تصاعد التوتر في المنطقة.

وكانت واشنطن قد أرسلت حاملة طائرات من الأسطول الأميركي إلى كوريا الجنوبية وأعلنت أن المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات «صسس جورج واشنطن» ستنضم إلى القوات البحرية لكوريا الجنوبية غربي شبه الجزيرة الكورية للقيام بمناورات مشتركة.

ودعت وزارة الخارجية الصينية إلى استئناف المفاوضات السداسية حول إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي، وشددت على أن الحفاظ على الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية في مصلحة جميع الأطراف، موضحا أن الصين تبقى على اتصال بكل أطراف المفاوضات.

فيما جاء الموقف الأميركي حادا، إذ أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن سيؤول حليفة واشنطن منذ الحرب الكورية، وأن الولايات المتحدة تؤكد بقوة التزامها بالدفاع عنها كجزء من هذا التحالف.

ما جعل الولايات المتحدة طرفا في الصدام، بعد أن كانت وسيط لتسوية الأزمة في شبه الجزيرة الكورية ضمن أطراف السداسية التي تعمل على رأب الصدع بين بيونغ يانغ وسيول منذ أكثر من 6 أعوام.

ولاشك أن الغرب عجز عن حل أزمة شبه الجزيرة الكورية، بسبب إصراره على ضرورة إسقاط حكومة بيونغ يانغ، بل ان الإدارة الأميركية السابقة اعتبرت كوريا الشمالية من دول محور الشر التي يجب معاقبتها وعزلها، ورغم أنها لم تتراجع عن هذا التصنيف إلا أنها اضطرت للدخول في مفاوضات معها لتسوية أزمة الصواريخ.

وخلافا للموقف الأميركي حرصت روسيا على إقامة علاقات متوازنة مع البلدين، على أرضية ضرورة إحلال الاستقرار في المنطقة، وبيان بيونغ يانغ وسيول المشترك الصادر عام 1992 حول إخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي.

هناك شبه إجماع على أن عزل كوريا الشمالية واستفزازها عسكريا لن يؤدي لتسوية الأزمة، وإنما فتح قنوات الحوار هو السبيل لإنهاء أزمة شبه الجزيرة الكورية وإخلائها من السلاح النووي.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru