كان من النتائج المهمة للحرب العالمية الثانية اندثار قوى دولية قديمة وانبعاث أخرى جديدة، فقد تراجعت فرنسا وبريطانيا، كما سقطت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وبرزت الولايات المتحدة قائداً جديداً للعالم الرأسمالي، بعد أن ترددت عدة عقود في الخروج من القارة الأميركية، حيث كانت مكتفية بهيمنتها على تلك القارة تنفيذاً لشعار أميركا للأميركيين.

كما برز من طرف آخر الاتحاد السوفييتي الدولة الاشتراكية الوحيدة في العالم في ذلك الوقت، والتي كانت غارقة في مواجهة تخلف شعوب الاتحاد السوفييتي، وصعوبات تجربتها الجديدة، وتلمس بناء هيكلية للنظام الاشتراكي ودولته.

رأت السياسة الأميركية أن استمرار زعامتها يحتاج لقوة عسكرية تتحالف فيها قوى جميع الدول الرأسمالية، ورأت أيضاً أن الاتحاد السوفييتي عدو خطير اكتسب خبرة عسكرية وقوة عسكرية استثنائية بسبب الحرب العالمية الثانية، ويبشر بمستقبل اقتصادي واجتماعي وسياسي واعد.

ويشكل خطراً كبيراً على النظام الرأسمالي، وصار واضحاً أن مستقبل العالم يرتبط بهذين القطبين وصراعهما أو اتفاقهما، وقد استعدت الولايات المتحدة لهذا الصراع بأن دعمت أوروبا المدمرة اقتصادياً بواسطة مشروع مارشال.

وفي الوقت نفسه أسست حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضمت إليه الدول الأوروبية الرأسمالية وكندا وبعض الدول الأخرى البعيدة عن المحيط الأطلسي، على اعتبار أن النهوض الاقتصادي الأوروبي الغربي من جهة والقوى العسكرية لحلف الناتو من جهة أخرى، قادرة على مواجهة الاتحاد السوفييتي الذي كان قد توسع بعد الحرب العالمية الثانية وهيمن على أوروبا الشرقية.

وقد اضطر الاتحاد السوفييتي أمام ذلك أن يؤسس حلف وارسو، وتواجه الحلفان وبدأ كل منهما يتسابق في تصنيع الأسلحة وزيادة ما يملكه منها، استعداداً لمواجهة عسكرية محتملة.

وهكذا صار حلف الناتو يشكل الذراع الحديدية القوية للولايات المتحدة والمهدد الرئيسي للاتحاد السوفييتي، فقد نصب صواريخه وقواته في بلدان أوروبية، ووجهها إلى الاتحاد السوفييتي، فأحاطت به من الغرب (ألمانيا) والجنوب (تركيا)، واستمرت الحرب الباردة التي كانت تخفي وراءها استعدادات عسكرية استثنائية من الطرفين، وتفاقم التوتر إلى أبعد الدرجات، وفاق سباق التسلح أي تصور.

وصار الحلفان الناتو ووارسو عنواناً للمواجهة العسكرية العالمية وللحرب المقبلة فيما إذا قامت بين الجبهتين المتناقضتين إحداهما ذات النظام الاشتراكي والأخرى ذات النظام الرأسمالي، وكل منهما يستعد للقضاء على الآخر بأي وسيلة من الوسائل.

بعد انهيار المنظومة الاشتراكية انهار معها حلف وارسو، ولم يعد القطب الآخر المواجه للولايات المتحدة موجوداً، ولم يبق في العالم سوى قطب واحد هو الولايات المتحدة، وبدا وكأن لا ضرورة لحلف الناتو، إذ ما من عدو يقابله أو خطر يهدد دوله وشعوبها، وكان الأمر المتوقع هو حل الحلف والتخلص من تكاليفه، وإيقاف سباق التسلح، والعمل للتنمية والتطور السلمي ورفع مستوى حياة الشعوب.

ولكن الذي حصل هو أن استعدادات الحلف ازدادت، وسباق التسلح استمر، وأخذت الولايات المتحدة تطالب بلدان أوروبا التي تساهم سنوياً بمبلغ (35) مليار دولار في الميزانية العسكرية للحلف بمضاعفة هذه المساهمة، ثم وجدت السياسة الأميركية للحلف وظائف جديدة ليستمر ويبقى مستنفراً ومسلحاً .

وهي ما سمتها مقاومة الإرهاب، وكأن الإرهاب يملك جيوشاً جرارة مسلحة بالأسلحة البالستية والكيميائية والنووية، وتنفيذاً لذلك أشركت الحلف في حرب أفغانستان، كما أشركت بعض دوله في العدوان على العراق.

وتحول حلف شمال الأطلسي من تولي مهمة كبرى وخطيرة هي مواجهة الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي ومنظومته وحركات التحرر في العالم إلى مهمة مضحكة هي ملاحقة الإرهاب والجماعات الإرهابية التي لا تملك من الأسلحة سوى البنادق والرشاشات. ومازالت الولايات المتحدة تصر على دول هذا الحلف أن تكون متيقظة وكأنها تواجه تهديداً من دول عظمى أخرى ومن قوات عسكرية جرارة.

يبدو أن الإصرار الأميركي على بقاء الحلف واستمراره وتوسيعه وتكليفه بمهمات جديدة يهدف إلى استمرار القبضة الحديدية الأميركية مهيمنة على حلفائها الأوروبيين، وتحشيد الجيوش لضرب أي قوة تحررية في العالم النامي.

وأخيراً استمرار تنشيط صناعة السلاح في الولايات المتحدة نفسها، خاصة أن احتكارات السلاح هي من أقوى الاحتكارات الأميركية وشريك أساسي في قرارات الإدارة الأميركية سواء كانت ديمقراطية أم جمهورية.

فما دامت الحرب الباردة انتهت، والاتحاد السوفييتي انهار، وروسيا على أبواب عقد اتفاقيات تعاون مع حلف الناتو نفسه، ولم يعد في العالم عدو قوي بارز واضح للحلف ودوله، فلم إذا إذن إحياء الناتو من جديد وتطويره وإبقائه مستنفراً؟.

من الواضح أن دول الحلف الأوروبية بدأت تتململ من استمرار الحلف بصيغته القائمة، خاصة أن مشاركتها في حرب أفغانستان وفي غيرها ذات تكاليف باهظة بشرية ومالية لا ترغب هذه الدول دفعها، وهذا ما عبرت عنه في اجتماع قمة الحلف الأسبوع الماضي في لشبونة عاصمة البرتغال، حيث لم يخف قادة الحلف الأوروبيون امتعاضهم مما يجري في أفغانستان، واستعجالهم سحب جيوشهم.

لم يعد للحلف دور مفيد لأوروبا ولأعضائه الآخرين باستثناء الولايات المتحدة، وذلك على الأقل لعدم وجود عدو مكافئ له يهدد هذه الدول، أما الزعم بالحاجة لمواجهة العدو الإرهابي أو العدو الإيراني أو الكوري أو غيرهم من الأعداء المماثلين، فتلك مزاعم واهية لا تقنع أحداً.

كاتب سوري