الداخل إلى مستشفى الوصل بدبي يرى في بهوها الرئيسي لوحة مصورة ضخمة لامرأة إماراتية مبرقعة ترتدي ملابس تقليدية زاهية الألوان بينما تقوم بتطبيب صبي مريض، للوحة أكثر من دلالة على قيم هذا المجتمع وعن قيام المرأة بأدوار مختلفة فيه، لعل الطب الشعبي من أبرزها.
ولكني وأنا أتأمل تلك اللوحة أُخذت كثيرا بأناقة تلك السيدة وزينتها، وأكثر ما شدني إليها هو تلك الألوان الضاجة بالحياة في ملابسها، على الرغم من سنوات عمرها الكثيرة، تذكرت صوراً كثيرة لنساء يشبهنها تملأ ذاكرتي وتسكن وجداني، أناقتهن جزء من فلسفة حياة قائمة على البشر والإصرار والتفاؤل، الدكتور عبدالله الخياط مدير المستشفى يؤكد ذلك أيضاً كلما تحدث إلى زواره عن تلك المرأة الفاضلة التي عاصرها في طفولته ويعمم ذلك على مجايلاتها.
ويروي عن طقوس زينتها الصباحية الثابتة التي كانت تستقبل به يومها، مشيراً إلى طاقة الفرح الهائلة التي كانت تبعثها فيمن حولها كل صباح حين تبدأ نهارها بكل تلك البهجة والأناقة والجمال.
بعيدا عن الجدل حول الجائز وغير الجائز، فالحلال بين والحرام بين، فإن كثيرا من السيدات يلتزمن ألوانا محددة داكنة بحجة التقدم العمر، على الرغم من أننا لا نحتاج إلى التوقف طويلاً لنفكر فيما إذا كنا نفضل أن يكون منظر أمهاتنا وجداتنا باعثاً على الكآبة في أنفسنا أو باعثاً على السرور، أناقة المرأة في بيتها جزءٌ من دور لا حدود زمنية له.
ويحتفظ أغلبنا لنساء هذا المجتمع في ذاكرته بسمة الأناقة، والعطر الذي لا يزول، على الرغم من حركتهن الدائبة طوال النهار في البيت وربما في المجتمع الصغير أيضاً، ولكن هناك من فهمن الدين فهما خاطئا، فانزوين في كآبة منظرهن بلا عطر ولا ذهب ولا زينة.
اللون هو العامل الأهم في موضوع الزينة وحضوره طاغٍ في حياتنا، في الأزهار والأحجار والطيور، في الخضار والفواكه، في البحر والسماء والجبال والرمال، قد نتساءل: ولم إذا يحضر اللون بهذه القوة والتركيز في كل ما خلق الله حولنا؟
قد لا نعرف الإجابة كاملة ولكن الدلالة واضحة على أهمية اللون في الحياة، ولا أستغرب أبدا الاتجاه إلى العلاج بالألوان كأحد اتجاهات الطب البديل، فكلنا يمارسه دون أن يشعر، وما شعورنا بالارتياح بعد الضيق أمام البحر أو المساحات الخضراء إلا نتيجة لاتصالنا باللون وطاقته في احد جوانبه. وكأنه بنادول طبيعي من دون آثار جانبية.
لعل أكثر ما يزعجنا هو تلاعب دور الأزياء بنا، فتلزمنا (باختيارنا الساذج) بالبيج والأسود مثلا عاما كاملا، ثم بالأصفر الفاقع والبرتقالي الفسفوري العام الذي يليه، نذهب إلى زيارة، عرس، أو مناسبة فنرى الخلق من الجنس الناعم لا يحيد عن صراط الموضة قيد أنملة، ولا تتجرأ إحداهن على خلط الأوراق.
ولا تراعي خاطرا إلا للسيد ديور وشلته، لا شك أن ترتيب شؤون اللباس وضبطها بين فصل وفصل وعام وعام زيادة في جودة الحياة، وربما كان للعرب في ذلك فضل وسبق منذ أيام زرياب، ولكن التسلط اللوني للموضة غير مقبول، لأنه لا يراعي إنسانيتنا، وطبيعة وجودنا على هذا الكوكب الملون.
المتأمل في ملابس التلاميذ والتلميذات يراها محصورة في لونين أو ثلاثة منذ أجيال، بعض الإدارات المدرسية تستحق وساما على حسن الذوق والاختيار، وبعضها لا يفرق كما يبدو بين ملابس حارس المدرسة وملابس الطلاب، النقطة التي يتم تجاهلها عمدا ومع سابق الإصرار لمصلحة صندوق حسابات المدرسة هي نوعية القماش المستخدم.
والقماش الرديء يعكس لوناً سيئاً، انظر إلى ابنتي إحداهما في مدرسة خاصة والثانية في مدرسة حكومية، فأرى الفجوة الذوقية إن صح التعبير بين ملابسهما كأنها ثلاثون عاما لصالح الثانية التي ما أن أراها إلا وتهل علي ذكرى الأزهار والربيع. أحدث نفسي كل صباح: إذا كان لزيهما هذا التأثير الواضح عليّ، فكيف به عليهما ؟
لا شك أن اللون مهم جدا في العمارة كذلك، وكثيرا ما أغرمنا بتلك المدن المصبوغة بلون واحد، يزينها لون أو لونان آخران في حجر القرميد أو حديد الشرفات والنوافذ، إلا أن الناس أحرار في ألوان بيوتهم، ونعيش في مدن لا تلزمنا بأي لون.
ولكن المزعج هو قيام بعض المجازفين باختيارات لونية عجيبة تؤذي عيون الآخرين، لا أدري إن كانت البلديات تتدخل عندما تصل الأمور إلى هذا الحد ولكني أظن أن النشاز اللوني نوعا من التلوث البصري الذي ينبغي التصدي له.
نعلم جميعاً حرص الدين على التزام المرأة بارتداء ملابس ذات ألوان هادئة غير مثيرة عند الخروج، ولعل في ذلك دليلا على سلطة اللون، هذه السلطة التي لا ينبغي استخدامها في غير موضعها فتضر أكثر مما تنفع، هاهو الضوء يستر عنا كل أطيافه في سبيل أن يبدو كل شيء آخر في الحياة أكثر وضوحاً وجمالاً من دون أن تكل أعيننا أو تمل.
كاتبة إماراتية