يعد التصعيد الحاد الذي وقع بين الكوريتين الشمالية والجنوبية يوم الثلاثاء الماضي، والذي وصل إلى حد القصف المدفعي وسقوط قتلى وجرحى على الجانب الجنوبي، أقسى اختبار ممكن أن تواجهه العسكرية الأميركية التي تنتشر قواعدها العسكرية في أكثر من نصف دول العالم، وتعتبر كل من كوريا الجنوبية واليابان من أكبر الدول التي تستضيف قواعد ومواقع عسكرية أميركية.

ويقدر عدد العسكريين الأميركيين في البلدين بأكثر من ثمانين ألف فرد نصفهم في كوريا الجنوبية والآخر في اليابان.

من المفترض أن الهدف الرئيسي من وجود القواعد الأميركية في أي بلد هو حماية هذا البلد من أعدائه.

وليس لدى سيؤول أعداء سوى جارتها الشمالية بيونغ يانغ التي لم تكف على مدى السنوات الست الماضية عن أعمال الشغب والتهديد لجارتيها اليابان وكوريا الجنوبية، الأمر الذي من المفترض أن يعطي مبررا قويا للوجود العسكري الأميركي المكثف في البلدين، رغم وجود حملات شعبية كبيرة في البلدين تطالب بطرد القواعد الأميركية.

كما أن هناك حملة دولية تقودها منظمة تدعى «الشبكة الدولية لإزالة القواعد العسكرية الأميركية» هذه المنظمة التي تضم أعضاء من دول مختلفة، والتي عقدت في مطلع الصيف الماضي مؤتمرا لها في الإكوادور ناقشت فيه أضرار وجود القواعد الأميركية في الدول الأخرى من النواحي السياسية والاجتماعية والبيئية والأمنية أيضا.

وتسعى واشنطن لتثبيت ودعم وجودها العسكري في كوريا الجنوبية، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها في اليابان بعد وصول الحزب الديمقراطي الياباني للحكم في سبتمبر العام الماضي وسعيه الدؤوب لتقليص الوجود العسكري الأميركي على الأراضي اليابانية.

بينما تسعى حكومة كوريا الجنوبية ورئيسها لي ميونغ باك إلى كسب ود واشنطن ودعمها العسكري والسياسي داخليا وخارجيا، وقد كافأتها واشنطن بالفعل في دعمها لاستضافة قمة العشرين منذ أيام قليلة، وأيضا ستستضيف في العام القادم مؤتمر الأمن النووي الدولي.

وقد أجرت الولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية مناورات عسكرية مشتركة في بحر اليابان في أواخر يوليو الماضي، وذلك بعد شهرين من غرق السفينة الكورية الجنوبية «تشويان» ومصرع أكثر من خمسين من أفرادها، واتهام سيوول لبيونغ يانغ بضربها من تحت الماء.

وقد أطلقت واشنطن على المناورات اسم «الروح التي لا تقهر»، وكانت بالفعل مناورات قوية وواسعة النطاق بالدرجة التي أثارت اعتراضات الصين ودول أخرى.

وكان من المفترض أن تصيب هذه الروح، التي لا تقهر، كوريا الشمالية بالرعب وتدفعها للكف عن مشاغباتها وتهديداتها لجارتها الجنوبية، لكن رد بيونغ يانغ المباشر لم يتأخر كثيرا، فقامت الثلاثاء الماضي بقصف مدفعي مكثف لجزيرة جنوبية أدى لمصرع وجرح مواطنين جنوبيين. ترى من أين لكوريا الشمالية بكل هذه الجرأة والاستهتار الواضح بقوة الروح الأميركية التي لا تقهر؟.

وما فائدة القواعد والوجود العسكري الأميركي إذا لم يردع الأعداء ويخيفهم؟

الواقع أن القواعد العسكرية الأميركية ليس الهدف من انتشارها حماية الدول الأخرى الموجودة على أراضيها، بل في أغلب الأحوال يكون وجودها هو سبب التهديدات والمشاكل التي تواجهها هذه الدول مع جيرانها، وماذا فعلت القاعدة الأميركية الكبيرة الموجودة على أراضي جمهورية جورجيا المجاورة لروسيا عندما اقتحمت القوات الروسية الحدود الجورجية مطاردة القوات الجورجية التي هاجمت الجارة الصغيرة أوسيتيا الجنوبية، لقد توغلت القوات الروسية في أراضي جورجيا حتى أصبحت على بعد أقل من مائة كم من موقع القاعدة الأميركية.

وأصابت الرئيس الجورجي ساكاشفيلي بالرعب الشديد الذي صورته وسائل الإعلام العالمية وهو يهرول ويختبئ من القصف الروسي ويقضم رابطة عنقه بفمه، ولم تجدي القاعدة الأميركية في شيء.

انتشار القواعد العسكرية الأميركية ليس أكثر من وسيلة لتحقيق أهداف أخرى منها بسط النفوذ والهيمنة وممارسة الضغوط على بعض أنظمة الحكم، ومنها تحقيق مصالح أباطرة السلاح الذين لا تكفي الحروب لملأ خزائنهم بالأموال، ولا يهمهم أن تنتصر الروح الأميركية أو تقهر.

elmoghazy@hotmail.com