قليلة هي الأحداث التي تغير منحى التأريخ، وقليلة هي المناسبات التي يحظى الإنسان بشرف الإطلال على بعض تفاصيلها. من حسن حظ جيلنا أنه شهد الكثير من الأحداث التي بدأت تغير مسارات التأريخ، كان آخرها ما أعلن عنه في التاسع عشر من نوفمبر الجاري، وهو النجاح بصناعة «المادة المضادة» المثيرة للجدل، والنجاح بعزلها لفترة قصيرة من الزمن.
مكان الحدث هو المعهد الأوروبي للأبحاث النووية «سيرن» في مدينة جنيف السويسرية حيث يقبع مصادم الهادرونات الكبير تحت الأرض على الحدود الفرنسية السويسرية، وهو أكبر وأهم مسارع للجسيمات الأساسية في العالم. في هذا المكان تختبر مدى صدقية الفروض النظرية حول نشأة الكون، وتختبر كذلك مدى قدرات الإنسان على سبر أغوار ذلك.
أجواء فرح غامر وجذل غير مسبوق سادت فضاءات هذا المكان الذي شهد لحظات صناعة التأريخ، فقد نجحت أحدى فرق البحث التي تعمل في هذا المعهد، للمرة الأولى في التأريخ، بإنتاج ما يعرف ب«المادة المضادة» في تطور غير مسبوق لم يشهده العلم من قبل. إنه حدث أقل ما يمكن أن يقال عنه انه فتح جديد في الفيزياء وانتصار عظيم للإنسان في سياق السعي المحموم لإماطة اللثام عن أكثر القصص إثارة، إلا وهي قصة نشأة الكون.
النظرية العلمية المعاصرة حول نشأة الكون وتطوره إلى الهيئة التي نعايشها، نظرية الانفجار الكبير، تفترض أن المادة والمادة المضادة قد تكونتا بكميات متساوية في الأجزاء الصغيرة جداً من الثانية الأولى لميلاد الكون، وإن اختفاء المادة المضادة بعد ذلك هو السبب الرئيسي لبقاء الكون المادي الذي نعرفه بحالة مستقرة إذ أن استمرار وجودها كان له أن يتسبب بتلاشي الكون وانهياره.
فالمادة والمادة المضادة تفنيان نفسيهما عند اللقاء وتتحولان إلى طاقة. اختفاء المادة المضادة وغموض مصيرها واحدة من أكبر التحديات التي تواجه العلم الحديث، فأين ذهبت هذه المادة؟.
ليس هناك من إجابة واضحة عن هذا التساؤل، إلا أن هناك فرضية تضعف من نظرية الانفجار الكبير وتخالف إحدى فرضياتها مفادها أن الكون قد أصبح بالشكل الذي نعرفه وذلك لأن آلية نشأته قد كسرت قاعدة التناظر، أي أن المادة والمادة المضادة لم يتولدا بشكل متساو، فكمية المادة كانت أكبر قليلاً من كمية المادة المضادة، ولذا تلاشت كل المادة المضادة مع الجزء الأكبر من المادة وتحولتا إلى طاقة تملأ الكون، وتبقى الجزء الصغير من المادة ليتكون منها الكون الذي نعيش فيه.
إلا أن هناك مما لا يتعارض مع فرضيات نظرية الانفجار الكبير، وهو اكتشاف العلماء لبعض ما يمكن تفسيره ببقاء المادة المضادة وليس اختفاءها، فقد التقطت مجسات الأجهزة التلسكوبية الفضائية عام 1978 أشعة جاما مصدرها عملية التلاشي حين تلتقي مادة بمادة مضادة.
وقد ترتب في ضوء هذا الاكتشاف التنبؤ بوجود سحابة هائلة الحجم من المادة المضادة يبلغ عرضها قرابة عشرة آلاف سنة ضوئية في قلب مجرتنا (السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة).
إن فهم طبيعة «المادة المضادة» يعتبر أساسياً للتحقق من صحة نظرية الانفجار الكبير، إلا أن الصعوبة في ذلك حتى الآن هي تعارض وجودها بشكل مطلق مع وجود المادة، والمعضلة التي واجهها العلماء هو كيفية الحصول على هذه المادة لدراستها.
الجديد الذي تحقق مؤخراً هو أن العلماء قد تمكنوا من تصنيع 38 ذرة من «مضاد الهيدروجين» وتمكنوا من أسرها داخل فخ مغناطيسي لمنعها من ملامسة أي شيء مادي لمدة تزيد قليلاً عن عُشر الثانية.
وهي مدة يرى فريق العمل الذي أنجز هذه المهمة المتميزة أنها كافية لإجراء الاختبارات اللازمة عليها. وقد احتاج هذا الفريق العلمي إلى خمسة سنوات لتحقيق هذا الإنجاز الكبير، حيث أعيدت التجربة 335 مرة قبل أن ينجح في رصد ذرات «مضاد الهيدروجين».
النظرية المعاصرة للمادة المضادة قد وضعت للمرة الأولى من قبل عالم الفيزياء البريطاني بول ديراك عام 1928 كنتيجة منطقية للحل الرياضي المعقد الذي قام به للمعادلة الموجبة الشهيرة التي وضعها العالم الألماني الكبير شرودنغر والتي تعتبر إلى يومنا الحاضر الأساس لما يعرف ب«ميكانيك الكم».
حيث قام ديراك بحلها في ظروف الطاقة العالية جداً حيث يتطلب الحل الأخذ بنظر الاعتبار ما تفرضه النظرية النسبية من تصحيح يطال الكتلة والزمن والأبعاد التي تتغير حسب السرعة التي يتحرك بها الجسم. ووفق ذلك أصبح لكل جسيم معروف جسيم مضاد له يحمل شحنة كهربائية معاكسة، وقد تحقق تنبؤ ديراك بوجود المادة المضادة عام 1932 حين اكتشف العالم الأميركي كارل أندرسون ذلك أثناء دراسة المسارات التي تتركها الأشعة الكونية في الألواح الفوتوغرافية، ودعم هذا الإثبات في العام الذي يليه الفيزيائي البريطاني باتريك بلاكيت والإيطالي جوسابي أوكياليني.
كانت المرة الأولى التي حصل فيها العلماء على البروتون المضاد هي في عام 1954 حين جرى تصادم البروتونات المسرعة إلى سرعات عالية جداً تقرب من سرعة الضوء في مسارع البيفاترون في مختبرات لورانس بيركلي الوطني في ولاية كاليفورنيا الأميركية، حيث رصد هذا الجسيم لمدة قصيرة جداً بلغت جزأً واحداً من عشرة ملايين جزء من الثانية اتحد بعدها بأحد البروتونات وتلاشيا معاً وتحولا إلى طاقة.
وكان على العلماء أن ينتظروا قرابة أربع عقود من السنين ليتمكنوا من صنع ذرة كاملة مضادة، حيث تمكنوا في «سيرن» عام 1995 من إنتاج تسع ذرات مضادة عن طريق جعل البروتونات المضادة تلتقي، في تجربة على مستوى كبير من التعقيد، بإلكترونات مضادة (بوزترونات ) لتكوين ذرات الهيدروجين المضاد. إلا أن الظروف التي رافقت تلك التجربة لم تسمح لهم بدراسة ذرات الهيدروجين المضاد وذلك لعجزهم عن عزلها.
ويعتبر تصنيع المادة المضادة الأكثر كلفة من أية عملية تصنيع أخرى في التأريخ، ففي عام 1999 أعلنت وكالة الفضاء الأميركية ناسا بأن كلفة الحصول على غرام واحد من المادة المضادة يبلغ 5 ,62 تريليون دولار.
أما العالم الأميركي جيرالد سميث المؤسس لأبحاث البوزترون في مختبر سانتافي بولاية نيومكسيكو الأميركية، وهو المختبر الذي صنعت فيه أول قنبلة نووية تحت إشراف العالم الكبير أوبنهايمر مطلع أربعينيات القرن المنصرم، فقد قدر عام 2006 كلفة إنتاج الغرام الواحد من البوزترون (إلكترون مضاد) بما يعادل 25 مليار دولار.
الإنجاز الجديد قد فتح للإنسان نافذة كبيرة يطل منها على أسرار الكون وعلى جماليات الغموض التي رافقت نشأته ناهيك عما يترتب عن ذلك من استخدامات مستقبلية تدفع بعجلة التقدم بقوة إلى الأمام، خاصة وأن المادة المضادة قد دخلت منذ حين في المجال الطبي، حيث ان أجهزة التصوير المقطعي بالأشعة الصادرة عن تلاشي الإلكترون ومضادة (البوزترون) وأصبحت أجهزة لا يمكن الاستغناء عنها في المراكز الطبية المتطورة.
كاتب عراقي
