من ألاعيب الدبلوماسية الصهيونية ومحاولاتها للتذاكي المفرط، أنها تعرض كيانها السياسي إسرائيل في عوالم الآخرين بتعبيرات وحيثيات وتعريفات متباينة. وبالإحالة إلى العروض ذات الصلة، تبدو إسرائيل دولة نامية بين الدول النامية، ودولة متقدمة في محافل ومجموعات الدول المتقدمة، ودولة غربية شأن دول جانبي الأطلسي واستراليا، وقس على ذلك..

ويسعى العاطفون على إسرائيل إلى حشرها في زمرة الدول «الشرق أوسطية»، وذلك بعد تجاوز، أو بغرض تجاوز، الاتساق والنسق الحضاري العربي الإسلامي لأهل هذا التعبير الجغرافي البحت والمبتدع. ومع ما يوحى به هذا التقافز من أزمة في تحديد الهوية والانتماء الإقليمي في هذا الكيان الاستيطاني، فإن المسؤولين الإسرائيليين يرتاحون لاعتبار دولتهم غربية الهوى والهوية.

وسبق لدافيد بن جوريون، المؤسس الفعلي لهذه الدولة، أن أكد هذا المعنى وشدد عليه، غير واع لتداعيات استزراع عضو غريب في بيئة غير مواتية لنموه وإيناعه، وربما لديمومته بالكلية.

والحق أن الغرب بدوره يلاقي هذا الانحياز إليه والتعلق الإسرائيلي به بالكثير من الترحاب والتفهم. وكيف لا ينشدّ الطرفان إلى بعضهما البعض ويتعانقا والمشروع الصهيوني الاستيطاني في أصله ونشأته كفكرة وفصله وتطبيقه، جرى بين يدي عالم الغرب، ونما وترعرع على سطوته واستنادا إلى حمايته وركنه الركين؟..

وكانت نخب الحكم والسياسة في إسرائيل، ومازالت إلى حد بعيد، غربية في أصولها الاجتماعية وتحالفاتها الخارجية ووظيفتها اللوجستية والاستراتيجية.

على أن الانتماء الإقليمي لا يستند فقط إلى الانحيازات الفكرية والسياسية، ولا حتى لمجرد التموضع الجغرافي.. فقد تكون الدولة مشرقية حتى الثمالة ولكنها منحازة إلى الشمال أو الجنوب، أو متحالفة مع تكتلات غير مشرقية.

ولأن المكون الاستيطاني، لاسيما السكاني، في إسرائيل ليس كغيره في تنوعه وتلفيقه اجتماعيا وثقافيا وإثنيا، فإن حقائقه ومعطياته تخرج به عن سهولة الانتماء، وتصعب عليه قضية تحديد الهوية الإقليمية بمعناها العميق وموجباتها المتعددة والشاملة حتى بالنسبة لعالم الغرب، وقلبه أوروبا، الذي يتوشح به.

لنتأمل في مغزى هذه القناعة من خلال الفوارق الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية بين إسرائيل وبين هذا العالم. يقول مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي إن 29؟ من سكان إسرائيل ينحدرون إلى خطر التحول إلى فقراء مقابل 16؟ في دول الاتحاد الأوروبي. وحاليا يواجه 38؟ من أطفال إسرائيل هذا الخطر مقابل 19؟ من أطفال أوروبا. وقد ارتفع منسوب الفقراء في إسرائيل من 14؟ من السكان عام 1990 إلى 22؟ عام 2010، هذا في حين ثبت المنسوب ذاته عند الأوروبيين خلال الفترة ذاتها حول ال16؟. ويعانى من البطالة في إسرائيل زهاء 27؟ من الرجال القادرين على العمل، بينما لا يزيد العاطلين من الأوروبيين عن 9؟. وفيما تواصل الأسعار ارتفاعها في إسرائيل فإنها تميل إلى الانخفاض في كل من أوروبا والولايات المتحدة. ولهذا يسجل جدول غلاء المعيشة والتضخم ارتفاعا متواليا في إسرائيل؛ الأمر الذي لا تعرفه معظم الدول الغربية.

يعلل الاحصائيون الإسرائيليون هذا التباين بقلة مشاركة فئة الأصوليين في سوق العمل وتواكلهم الفائض واعتمادهم الضاغطين على موازنة الدولة. ويشير هؤلاء هنا إلى أن 65؟ من الأصوليين الذكور، ناهيك عن الإناث، لا يعملون، وهم يحذرون من تفاقم هذه الظاهرة بالنظر إلى كثافة حضور هذه الشريحة، بكل كسلها وميلها إلى الإنجاب وكثرة الأولاد. وبالطبع فإن عالم الغرب الحقيقي لا يعرف مثل هذه المعطيات.

على سبيل البحث عن مخرج من هذه الدائرة، يقترح الرئيس الإسرائيلي شيمون بيرس بيع بعض ممتلكات الدولة «غير المستعملة» وإنعاش خزينة الدولة. وقد تناول أحد أعضاء اللجنة المالية هذا المقترح بالتحليل والتبرير بما لا يخلو من دلالة وطرافة:

«في حالة وجود عائلة لها ممتلكات وليس عندها نقود، فهي تقوم ببيع بعضها لأجل الطعام، فلم إذاً تختلف هذه الصورة بالنسبة لممتلكات الدولة، بدلاً من تحميل الأعباء على الفقراء ودافعي الضرائب»؟!.

في أوروبا والولايات المتحدة لا يفكرون بهذه الطريقة، ولكنها عقلية الاستيطان والمستوطنين في إسرائيل. وتذكرنا هذه المناقشات بما جرى مع أبناء المجتمع الفلسطيني قبل 1948، حين كانت سلطات الانتداب تضيق عليهم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، دافعة إياهم إلى بيع ممتلكاتهم والبحث عن فرص وملاذات مختلفة للعمل والعيش.

لا تلاحظ النخب الحاكمة في إسرائيل هذه المفارقة، ولا يلفت نظرها أنها، وليس غيرها، المسؤولة عن تشجيع الأصولية والأصوليين، وزيادة عدد المواليد اليهود لديهم بكل السبل، ثم إيداعهم فريسة للفقر والعوز.ذلك لكي ينجوا هم ومشروعهم من حكم الجغرافيا والديموغرافيا وسنن التاريخ في مواجهة أرحام العرب داخل إسرائيل وفى محيطها الجغرافي.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.coma