لا تنتظروا الكثير من وراء الدَفعة الأخيرة من قبل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتعزيز عملية السلام في الشرق الأوسط. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يظهر اهتماماً بالعملية، ولكنه في حقيقة الأمر كان يريد وأدَ المحادثات في مهدها.

إن الدليل على ذلك متعدد الجوانب وواضح. ولكن لنضع في الاعتبار حادثة واحدة فقط. فقبل عام، قال نتانياهو، ودون سابق إنذار، للفلسطينيين إن عليهم الاعتراف علناً بأن اسرائيل دولة يهودية.

ورفض الفلسطينيون ذلك بالطبع. فهناك ما يزيد على 4 ملايين فلسطيني يعيشون في المنفى، ومئات الألوف منهم ما زالوا يعيشون في المخيمات. ويراود الكثير منهم الحلم بالعودة إلى منازلهم في إسرائيل، وهو الأمر الذي قد لا يحدث أبداً. ولكن هل يتعين على قادتهم الوقوف وخيانتهم حتى قبل بداية المفاوضات؟

بعد طلب نتانياهو ببضعة أسابيع، كنت أتحدث مع أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين، وهو محل ثقة لدى نتانياهو، وسألته عن طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي. وقلت له إنه عليهم أن يعلموا أن الفلسطينيين لن يمكنهم القبول بذلك أبدا. ألم تطرحوا هذا المطلب لهذا السبب على وجه الدقة؟.

أومأ برأسه وقال: «بلى، إنك محق». لقد كانت حيلة تلاعبية.

حسناً، في الشهر الماضي كرر نتانياهو الطلب نفسه مجدداً، قائلاً إنه سوف يجمد بناء المستوطنات اليهودية في حال اعتراف الفلسطينيين علناً بأن إسرائيل دولة يهودية. مرة أخرى، أعلن الفلسطينيون رفضهم على الفور.

وانتهز المسؤولون الإسرائيليون الفرصة لكي يصفوا الفلسطينيين بالتعنت. والآن يعرض الرئيس أوباما رشوة على الإسرائيليين، هي عبارة عن طائرات مقاتلة تصل قيمتها إلى 3 مليارات دولار وضمانات أمنية وحوافز أخرى مدهشة في مقابل تجميد إسرائيل بناء المستوطنات لمدة تسعين يوماً. ويبدو أن المتشددين الإسرائيليين والمسؤولين الفلسطينيين، على حد سواء، غير راضين عن ذلك.

ولكن مهما حدث، فإن نتانياهو سوف يجد طريقة للتأكد من أنه لن يصل إلى أي اتفاق مع الفلسطينيين. فهو لا يريد ذلك.

دعنا نتدبر الأمر. في كل مرة خلال الأسابيع الأخيرة قدم نتانياهو أحد مقترحاته العدائية، مثل اشتراط أن يقسم المهاجرون العرب يمين الولاء لإسرائيل؛ كان المعلقون يخمنون باستمرار أنه يطرح مغريات لشركائه في الائتلاف اليميني، من أجل التخفيف من موقفهم بشأن التنازلات النهائية التي يعتزم القيام بها.

هذا هراء. وأنا أعرف نتانياهو. فهو لا يحاول تهدئة اليمين. إنه عضو في اليمين. وهو يطلق تصريحات استفزازية، ويلفت ببساطة إلى عرقلة محادثات السلام التي لا يريدها أن تبدأ أبداً.

في الشتاء الماضي، عندما زار نائب الرئيس الأميركي «جو بايدن» إسرائيل لتعزيز المفاوضات، وإظهار الجانب الودي لإدارة أوباما أمام الرأي العام الإسرائيلي المتشكك، بادرت الحكومة الإسرائيلية فجأة بالإعلان عن خطط لبناء 1600 شقة جديدة للإسرائيليين في القدس الشرقية، وهي الجزء العربي من المدينة. ومن المفهوم أن «بايدن» كان غاضباً. وأعطت الحكومة بأسف تفسيراً لذلك بأن الخطط جاءت من وزارة الداخلية، وأن نتانياهو لم يكن على علم بها.

وقبل أيام قليلة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية، رغم ذلك، عن خطة إسكان أخرى في القدس الشرقية، بإنشاء ألف منزل جديد للإسرائيليين. وقال متحدث باسم وزارة الداخلية مرة أخرى ان نشر الخطة كان مجرد مسألة تقنية؛ ولم يتم إبلاغ رئيس الوزراء بها.

لا تصدقوا ذلك. نعم، لقد ضمت إسرائيل القدس الشرقية منذ عقود (على الرغم من أنه لم توافق أي دولة على ذلك). ولكن نتانياهو ليس رجلاً غبياً. ومسألة نشر هذه الخطة في الوقت الحالي، سوف تثير فتنة. فلا أحد يفعل ذلك بالمصادفة. وقد تعرض نتانياهو للحرج الدولي خلال زيارة «بايدن»، ولو أنه كان يكترث لأن لا يعلن أحد هذا الأمر مرة أخرى بدون موافقة منه. ويبدو بكل وضوح أنه لم يهتم بذلك. والرد العدائي الذي أعلنه بعد شكوى أوباما أظهر ذلك.

لقد أعلنها قائلاً «إن القدس ليست مستوطنة. القدس هي عاصمة دولة إسرائيل».

وكما قال لي «آرون ديفيد ميلر»، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية أمضى عقوداً من الزمن في مفاوضات السلام بالشرق الأوسط، «لا، نتانياهو لا يريد هذا، أو أنه يريد هذا بأقل ضرر ممكن».

وأضاف «من أجل إجراء مفاوضات فعالة، فإننا نحتاج إلى قادة ليسوا أسرى لناخبيهم». فمن الواضح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أسير» لأكثر من 4 ملايين فلسطيني في المنفى. ولكن هل يشاركهم فعلاً الأحلام نفسها ؟ من الصعب قول ذلك.

أنا لا أرى نتانياهو أسيراً لشركائه في الائتلاف اليميني. فهو واحد منهم. ويشاطرهم أفكارهم.

لذا، فمن سوف يستفيد إذا فشلت مفاوضات السلام؟ سوف يصاب معظم الإسرائيليين بخيبة أمل مرة أخرى، ومعظم الفلسطينيين أيضاً. في الحقيقة، إن تكتيكات نتانياهو تمكّن المتطرفين الذين يعقدون العزم على تدمير دولته.

كاتب أميركي فائز بجائزة بوليتزر