لا تزيّدَ ولا شططَ في القولِ إنّ خسارةَ الثقافةِ والنضال الديمقراطي المدني العربيين، ومعهما القضيةُ الفلسطينية، كبيرةٌ برحيلِ المغربييْن اليهودييْن القامتيْن، إدمون عمران المليح عن 93 عاماً وأبرهام السرفاتي عن 84 عاماً، الأسبوعَ الماضي، واللذيْن ناهضا إسرائيل والصهيونية بجسارةٍ وطنيةٍ عربيةٍ تقدميةٍ عقوداً، وظلا على دأبهما هذا من موقعيهما، في الكتابةِ الأدبيةِ والنشاط الثقافي حيث المليح، وفي العمل السياسيِّ والحزبيِّ والنقابيِّ حيث السرفاتي.
انتسبا في الأربعينياتِ إلى الحزبِ الشيوعي المغربي، وناضلا فيه ضدَّ الحمايةِ الفرنسية، وغادراه لاحقاً، فانصرفَ المليح عن العمل السياسي بالمفهوم الحزبي، وأقامَ في باريس بعد أحداثٍ في المغرب في 1965 إلى أن عادَ في 2000.
ومتأخراً في الثالثة والستين في عمره، انقطعَ لكتابةِ الروايةِ والسردِ والمحكياتِ وللكتابةِ عن التشكيل المغربيِّ بالفرنسية، وكان من أبرزِ موضوعاتِ رواياته نزوحُ آلافِ المغاربة اليهودِ إلى إسرائيل.
والذي اعتبرَهُ «كارثةً في التاريخِ اليهودي»، كما قال في عدّة مناسباتٍ، كان منها مقابلةٌ صحافيةٌ أجريتُها معه في منزلِ صديقِنا الناقد محمد برادة في الرباط قبل نحو 17 عاما، شدّد فيها على أنَّ إسرائيلَ تستعمرُ الدين اليهودي.
وفي أثناءِ الحربِ العدوانيةِ على غزة، وصفَ إسرائيلَ بأنّها على حافّةِ البشرية، وكان في مقالةٍ بشأنِ مذبحةِ صبرا وشاتيلا قد اعتبرَ أنَّ إسرائيل ارتكبت فعلاً انتحارياً.
وقبل ذلك وبعده، ظلَّ إدمون يرفضُ توظيفَ المحرقةِ اليهوديةِ لتبريرِ الصهيونيةِ واستغلالِها اليهود. ومن الأخبارِ الطيّبةِ أنَّ مقالاتِه في القضية الفلسطينية ستصدُر في كتابٍ بالعربية قريبا.
قال الراحلُ الكبيرُ الذي وصفتْهُ إسرائيلُ بأنه يهوديٌّ معادٍ للساميّةِ ومتعصبٌ إنّه يحلمُ بالصلاةِ في القدسِ بعد تحرّرها، كما مهندسُ التعدين والنقابيُّ العتيق مع عمال الفوسفات في بلادِه الراحل أبرهام السرفاتي الذي كانَ يصدُّ محاولاتِ إسرائيل لزيارتِها بتأكيدِه أنّه سيزورُ فلسطين بعد تحرّرها.
وفي أرشيفِ المناضل العتيد أنَّ جمال عبد الناصر كان يخصّه باستقباله في منزلِه في القاهرة، وكانَ على صلةٍ كفاحيةٍ في مطالعِ السبعينيات مع ياسر عرفات، وأنَّ من التهم التي سيقت ضدّه في أثناءِ محاكمتِه في 1974 تهريبَه سلاحاً إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
ومشهورٌ في سيرِتِه أنّه قضى في سجونِ بلادِه 17 عاما، قبل أنْ يُطرَدَ من المغرب بدعاوى عجيبة، إلى أنْ أعيدَ له الاعتبارُ ورجعَ إلى المغربِ بأمرٍ من الملك محمد السادس، وتمَّ تعويضُه رمزياً عن سنواتِ السجن والتعذيب.
ودلّت مشاركةُ مسؤولين حكوميين في جنازتِه يوم الجمعة الماضي على الانعطافةِ التي يعرفُها المغربُ باتجاهِ تحديثٍ ديمقراطيٍّ طيب، كان السرفاتي واحداً ممن ساهمَ كفاحُهم المديدُ في الوصولِ إليه.
وإذ اتصفت مراجعاتُه لماركسيّتِه ويساريّتِه في السنواتِ الطويلةِ الماضيةِ بمرونةٍ فكريةٍ تقدمت فيها أولويةُ حقوق الإنسان والعملُ الديمقراطي المدني على سواهما، وابتعدت عن الدوغما والارتهان للاتحاد السوفياتي، واقترنت بفهمٍ عروبيٍّ وطنيٍّ، فقد كانَ حسناً منه أنّه تخفّفَ أخيراً من رفضِه مغربيةَ الصحراء، وصار يدعو إلى حلّ قضيتِها بالوسائلِ السلميّة.
ثمّة بهجةٌ وفيرةٌ تُيسرها قراءةُ ما تمّت ترجمتُه من نصوص إدمون عمران المليح، وفينا توقٌ إلى قراءَةِ آخر كتبه «رسائل إلى نفسي» الذي يتمُّ حالياً نقله إلى العربية، ونظنّنا، نحنُ العربُ المشارقة، في حاجةٍ إلى معرفةٍ أوسع بما أنجزَهُ أدباً وفكراً.
وثمّةَ انتسابٌ فينا إلى الرؤى الكفاحيةِ المدنيةِ والديمقراطيةِ التي تبنّاها أبرهام السرفاتي، اليهوديُّ المضيئُ أيضاً، وقد ظلّ منفتحاً في نزعتِه الماركسيةِ المتجدّدة، وأعلن غيرَ مرَّةٍ أنَّ لا شهية لديهِ للانتقامِ ممن ظلموه واضطهدوه في بلاده.. .. يَسّرت وفاةُ الفقيدين الكبيرين الأيقونتين، واللذيْن من طينةٍ وطرازٍ استثنائيين، أن يُضاءَ هنا على بعضِ سيرتيْهما بإيجازٍ شديد، وأنْ يُشارَ إلى يهوديّتِهما النظيفة، ويُستذْكَرَ بعضُ عطائِهما النبيل والطويل.