ما يدور في نفوسنا، بوعي منا أو دون وعي، لا بد أن يظهر على أسطحنا الخارجية بشكل أو بآخر، في كلامنا، أو سلوكنا، أو اختياراتنا.. توجهاتنا.. كل الأمور البسيطة التي تشغلنا ـ مهما كانت صغيرة - نجد أننا نعبر عنها بمائة شكل وشكل، وبألف كلمة وكلمة، يحدث ذلك في جلسة قصيرة لا تستغرق زمنًا طويلاً، دون أن نشعر به. إنها طبيعة البشر حين يلحّ على أذهانهم أمر ما، فلا يستطيعون التحرر منه، أو التخلص من إلحاحه.

لكن هذه الأمور الصغيرة التي تطرق أبواب أذهاننا بسرعة لتدخل منها، ثم تفتحها وتغادرها بسرعة أيضاً، دون أن تخبرنا أو تودعنا حتى، ليست هي ما أقصده الآن، بل أقصد تلك المواضيع والأفكار العميقة التي تحتل مساحة كبيرة من خارطة اهتماماتنا الواعية واللاواعية، فنتشبع بها رغماً عنّا.

ولا بد حينها لإنائنا الداخلي من أن ينضح بها، والكتابة شكل من أشكال هذا «النضح»، بل هي أحد أهم أشكاله، خصوصاً إذا قارنّاها بالكلام ؟ أو الحكي - لأنه تعبير غير موثق، في حين أن الكتابة تبقى شاهداً على ما دار في دواخلنا، وشغل أذهاننا وأفكارنا في مرحلة من المراحل.

حين يكون الإنسان مشغولاً بأمر ما لا يستطيع أن ينفصل عنه، ولا يستطيع أن يوجد الحواجز التي ترسم حدوداً واضحة له قبل غيره بينه وبين ما يشغله، فيقع أسير الفكرة التي تدور في ذهنه، بينه وبين نفسه أولًا، ثم تصبح ظاهرة للآخرين بعد أن تلازمه كظله، وتسيطر عليه في صحوه ومنامه، حتى لو حاول أن يأسرها بين ثنايا ذهنه وصفحات فكره، إلا أنه يفشل في ذلك لأنه - دون أن يشعر - أصبح من قبل أسيراً لها.

يشبه الأمر حال العاشق حين يكون معشوقه شغله الشاغل، فلا يستطيع أن يقيم الحدود الفاصلة بينه وبين ذلك المعشوق، دون أن يلحظ ذلك، ولربما ظن أنه يغافل الآخرين ويخفي سرّه بين ضلوعه في أكثر آباره النفسية عمقاً، وهو «ينضح» و«يفضح» نفسه بنفسه، بلسانه وعيونه وآذانه وبكل ما فيه.

بالطبع لا أقصد بكلامي هذا الوسوسة أو الهوس بأمر ما، فهناك مراحل أقل من هذه بكثير، ومع ذلك يكاد يغيب العقل معها في طريق اللحاق بموضوع مؤرق أو فكرة شاغلة، دون أن نشعر بذلك إلا إن نبهنا أحد إلى ما وصلنا له.

وهذا الأمر صحي إلى حد كبير؛ فنحن نحتاج إلى مثل هذه الحالات التي ننشغل فيها بمواضيع وقضايا وأفكار لن نصل فيها إلى ما يمكننا أن نصل إليه، إلا إذا أعطيناها حصة وافرة من التفكير والتركيز والتقليب في الذهن، كحالات طلب العلم، فكما يُقال دائماً إنه لا يعطينا «بعضه» إن لم نعطه «كلنا».

وقد كان أساتذتنا الأفاضل في مرحلة الدراسات العليا يقولون لنا بعد أن سجلنا أطروحاتنا إننا لن نتمكن من تقديم شيء جديد في الأطروحة، أو الإتيان بأفكار غير مسبوقة، أو التوصل إلى نتائج ذات قيمة، إلا إذا أصبح الموضوع الذي نكتب فيه «ينام ويصحو ويأكل ويشرب ويلعب أيضاً معنا».

بالطبع ليست جميع حالات طلب العلم على هذا النحو، وإلا لكان حال العالم العربي مختلفاً عما هو عليه الآن، لكن هذا مستوى من مستويات تحصيله لا يصل إليه كثيرون ؟ ولا أزعم أني بلغته - إلا أن هذا ما كان يُقال لنا من قِبَل من جرّب وعرف وأدرك الطبيعة التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين العلم وطالبه، إنها حالة من حالات العشق أيضاً، بمذاق مختلف، يعرفه «ماضينا» وحاضر «غيرنا».

ربما إلى هذه الحالة أيضاً وصل أولئك الفنانون الذين أبدعوا فناً عابراً للتاريخ.. بل عابراً للزمان والمكان على حد سواء، متجاوزاً حواجز كثيرة كانت كفيلة بأن تدفنه حيث وُلد لو كان نتيجة جهد «عادي»، لكنه كان نتيجة قدح استثنائي للذهن والموهبة، نتج عنه فن استثنائي بكل المقاييس أيضاً.

هل قلت «ربما» أسحبها إذاً، من المؤكد أنهم عاشوا مرحلة الانشغال حدّ الهيام بفنهم، وعاشوا تلك الحالة من العشق التي يصبح المعشوق عيناً وأذناً وفماً، ولهذا نضحت قرائحهم بما خلّد ذكرهم إلى أبد الدهر.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com