قمة روسيا والناتو التي انعقدت في ليشبونة مؤخراً عكست أوضاعاً جديدة لم تعرفها الساحة الدولية من قبل، وكان واضحاً أن هناك طرفاً متحمساً للتعاون وهو «الناتو» وطرفاً آخر متردداً في التعاون ويريد فرض شروطه.

وهو « روسيا»، وهذا أمر طبيعي باعتبار أن من له حاجة لدى الآخر لا يملك الحق في فرض الشروط، والناتو الآن هو الذي بحاجة إلى روسيا أكثر من حاجة روسيا التي تتعامل مع حلف الناتو على أنه عملاق عجوز أصابه الشيب والوهن والضعف وأصبح يصارع من أجل البقاء.

لقد ذهب الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف إلى ليشبونة ليس لمجرد المشاركة في القمة، بل لكي يطلع شركاء بلاده الغربيين على موقف روسيا المبدئي من قضية إنشاء منظومة للدفاع الصاروخي في أوروبا، وقد أبدت روسيا استعدادها للمشاركة في الاستراتيجية الأمنية لأوروبا.

وأعلنت كذلك أنها تريد أن تكونَ منظومة الدفاع الصاروخي المزمع إنشاؤها ذات مواصفات تكتكية لا كونية كما تريدها الولايات المتحدة، لكنها اشترطت بالمقابل أن تتمتع « بدون عضوية في الحلف« بكامل الحقوق التي تتمتع بها الدول الأعضاء في حلف الناتو، لكي تستطيع التأثير في صنع القرارات.

واشترطت كذلك أن يتم تثبيت هذه الحقوق بشكل قانوني في الوثائق الداخلية لحلف الناتو. ويعبر الكثير من المراقبين عن شكوكهم في إمكانية أن يقدم الغرب على اتخاذ خطوة كهذه في المرحلة الراهنة ذلك أن أقصى ما يمكن أن يقدمه الغرب لروسيا حاليا هو أخذ مخاوفها بعين الاعتبار قدر الامكان خلال صياغة الاسترتيجية الجديدة التي سيتبناها الحلف.

وتعليقا على هذا الموضوع أوضح مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية سيرغي بريخودكو أنه لا يزال هناك تباين في وجهات النظر بين روسيا وحلف الناتو. ذلك أن الحلف يعلن استعداده للاستماع الى رأي موسكو حول شكل العلاقة بين الجانبين كما تتصورها القيادة الروسية.

لكن الأطلسيين لا يزالون غير مستعدين لاعطاء روسيا دورا كبيرا ومؤثرا في الدرع الصاروخية. وعلى الرغم من ذلك لا يزال هناك أمل بأن تفلح روسيا في اقناع الغربيين من مغبة إقامة نظام أمني، يضمن أمن طرف ما على حساب الطرف الاخر.

التعاون بين روسيا وحلف الناتو يصب في مصلحة الجانبين دون أدنى شك. والتوصل لاتفاق شراكة بينهما من شأنه أن يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة في العلاقات، تسمح لهما بمواجهة الأخطار المشتركة التي تهدد الأمن في المرحلة الراهنة.

قمة ليشبونة توضح أن روسيا والناتو توصلا إلى تطابُق تام في وجهات النظر حيال أربعة من أهم القضايا التي تهم الأمن والسلم العالميين. وهذه القضايا هي: مكافحةُ الإرهاب الدولي ومكافحةُ القرصنة لضمان سلامة الملاحة الدولية والتهديدات الناجمة عن الوضع في أفغانستان وحماية البُنى التحتية بالغة الأهمية من الهجمات الإرهابية والكوارث الصناعة.

لكن الطرفين (روسيا والناتو) لم يتمكنا بعدُ من التوصل إلى اتفاق حول قضية الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل والتقنيات الصاروخية، وهذه القضية تجرى معالجتُها بشكل مُعمَّق ومسؤول لأنها تشكل الأساس الذي سيتم بناء عليه تحديد هيكيلة الدرعِ الصاروخية التي تخطط الولايات المتحدة لنشرها في مختلف مناطق العالم.

وتكمن المشكلة في أن أعضاء حلف الناتو أنفسهم لم يتفقوا في ما بينهم على هيكلية تلك المنظومة كما أنهم لم يتفقوا على الفترة الزمنية اللازمة لتشكيل المنظومة ولا على تكاليف بنائها ونشرها.

وفي ما يتعلق بالتعاون العسكري ـ التقني بين روسيا والناتو، فقد تم الانتهاء من إعداد اتفاقية بشأن إرسال مروحيات روسية إلى أفغانستان. لكن تنفيذ هذه الاتفاقية يعتمد إلى حد كبير على التطورات السياسية داخل الولايات المتحدة وتحديدا على الموقف الذي سيتخذه الكونغرس من الاتفاقية المذكورة. وبالإضافة إلى ذلك فإن وضع تلك الاتفاقية حيز التطبيق يعتمد إلى حد بعيد على حلف الناتو.

ذلك أن الدول الأعضاء في الحلف يناقشون فكرة إنشاء صندوق خاص لتمويل عمليات إعداد وتأهيل الكوادر الفنية الأفغانية لصيانة المروحيات الروسية التي سترسل إلى أفغانستان في الوقت المناسب.

وبالإضافة إلى ذلك ينبغي على أعضاء حلف الناتو أن يأخذوا بالحسبان التكاليف التي سوف تترتب على تزويد الأفغانيين بالوقود وقطع الغيار وعلى إنشاء الورشات الخاصة بصيانة المروحيات. وذلك كله يحتاج إلى تخصيص كميات كبيرة من المال.

لكن الدول الأعضاء في الناتو في الوقت الراهن فقيرة وتعاني من الأزمة المالية بالقدر الذي لا يسمح حتى بمناقشة أي مسألة تتعلق بالانفاق على التسليح، ولدرجة أن الحصول على مائة ألف يورو يتطلب قرارا سياسيا حتى وإن كان هذا المبلغ الصغير ضروريا لأغراض عسكرية مهمة.

ولكن الغرب وواشنطن بالتحديد يعلمون جيدا أن روسيا لن تقدم أي شيء لأي جهة مجانا، ولهذا فإن تمكين دول التحالف الغربي من سحب تجهيزاتها ومعداتها العسكرية وعسكرييها عبر روسيا لا عن طريق باكستان المحفوف بالمخاطر، لن يكون بدون مقابل مادي، بل يجب أن يعود على الاقتصاد الروسي بمبلغ معتبر بالدولار واليورو.

ولا يقتصر الأمر على المبالغ التي سترفد خزينة الدولة، بل ان الأهم من ذلك هو استمرار روسيا والناتو بتعزيز تعاونهما لحل كافة المشكلات المتعلقة بمكافحة الإرهاب الدولي، وانتشار المخدرات وتكنولوجيا الصواريخ والهجرة غير الشرعية.

وتدعو بعض وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب دون أي حرج إلى ضرورة تكثيف جهود إشراك موسكو في القضية الأفغانية، وتقترح تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع الروس لإعادة الاستقرار إلى أفغانستان.

ويراد من ذلك أن تحل روسيا في هذا البلد مستقبلا محل قوات الولايات المتحدة ودول التحالف. لكن موسكو لا ترى ما يبرر إرسال قواتها للعب هذا الدور، فتقديم المعونة لقوات التحالف خارج ذلك البلد أمر مقبول.

أما تعريض الجنود الروس لرصاص تنظيم القاعدة وحركة طالبان فلا يجوز أبدا. ومن الجدير بالذكر ان الجنرالات الروس كانوا قد حذروا زملاءهم في الناتو من مغبة شن هذه الحرب لكن تحذيراتهم تلك لم تلق آذانا صاغية.

خبيرة الإعلام السياسي الروسية

mekhaelovna@mg.ru