تجد أميركا نفسها عند منعطف حقيقي على طريق الكفاح من أجل المساواة. وكما هي الحال، خلال جميع نقاط التحول، فإننا نبدو كما لو كنا نراقب هذا الكفاح وهو يتكشف على شاشة منقسمة، يشغل التقدم جانباً منها، وتعرض النكسات على الجانب الآخر.
على أحد جانبي الشاشة، هناك حقيقة مفادها أنه في الانتخابات التي جرت أخيراً في أميركا، تم انتخاب المزيد من المرشحين الذين كانت عليهم اعتراضات اجتماعية ليشغلوا مناصب بشكل غير مسبوق في أي انتخابات أخرى في تاريخ الولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، هناك الحقيقة القائلة إن ثلاثة قضاة في المحكمة العليا في «أيوا»، وهم «مارشا تيرناس» و«ديفيد بيكر» و«مايكل ستريت»، قد تم التصويت من أجل إقصائهم عن مناصبهم جزاءً لهم على حكمهم الصادر في عام 2009 بتأييد من تثور ضدهم هذه الاعتراضات الاجتماعية.
على أحد جانبي الشاشة، هناك حقيقة مفادها أن وزير الدفاع الأميركي «روبرت غيتس» يحث الكونغرس الضعيف على إلغاء مبدأ «لا تسأل، لا تخبر»، قبل تولي الكونغرس الجديد مهامه في يناير المقبل.
وعلى جانب آخر من الشاشة، الجنرال «جيمس آموس» القائد الجديد لسلاح البحرية الأميركية، يجادل ضد الإلغاء، باستخدام الإشاعة القديمة، التي تم تفنيدها في صفوف القوات المسلحة لدى العديد من حلفائنا، على أساس أن إلغاء مبدأ «لا تطلب، لا تخبر» سوف يضر على نحو ما بـ «الفعالية القتالية».
في الوقت الذي نشعر بالبهجة من مشاهدة أميركا تحرز التقدم، ثم نشعر باليأس من مشاهدتها تتخبط مرة أخرى، يجدر بنا تذكر أن أميركا لم تحقق معلماً واحداً مهماً على صعيد الحقوق المدنية من دون كفاح، والعديد من النكسات.
منذ بعض الوقت ظلت مسيرة التقدم في الديمقراطية الأميركية مطردة، وقد كانت بطيئة غالباً. واتحادنا لن يكون مثالياً، ولكن كما كتب المشرّعون في ديباجة الدستور الأميركي، فإن الاتحاد قد قصد به أن يصبح أكثر مثالية بصورة مستمرة. فعندما كتبوا هذه الكلمات، فإن حقوق وأشكال حماية المرأة والأميركيين من أصل أفريقي والأميركيين الأصليين لم تكن قد تم الاعتراف بها.
ولكن بالتأكيد كانت تلك الحقوق موجودة. كانت دائماً موجودة. والذي تغيّر هو قدرتنا على التواصل مع القيم التي تعتبر جزءاً أصيلاً بشكل صريح من وثائقنا التأسيسية. أو، لنكون أكثر دقة، ما تغيّر هو عدم قدرتنا على تحمل الانفصال بين هذه القيم، والطريقة التي تمت بها هيكلة مجتمعنا.
إعلان التحرير. والتعديل التاسع عشر من الدستور، الذي يسمح للمرأة بالتصويت. وقضية «براون» ضد مجلس التعليم. وقانون الحقوق المدنية لعام 1964. وقانون حقوق التصويت لعام 1965.
إننا ننظر إلى تلك الإنجازات الآن، وهي تبدو طبيعية جداً، وواضحة جداً. والواقع أنه من الصعب تصور الولايات المتحدة بدونها.
ولكنها في عصرها لم تكن تعتبر كذلك. وبالنسبة للرجال والنساء الشجعان الذين ناضلوا من أجلها فلابد أنها قد بدت مشابهة إلى حد كبير لشاشة النضال من أجل المساواة اليوم.
بالنسبة لقانون حقوق التصويت. ففي مارس من عام 1965، وفي محاولة لدفع الجهود من أجل القانون التقى المناضل الراحل «مارتن لوثر كينغ» الرئيس الأميركي الأسبق «ليندون جونسون» في البيت الأبيض. ولكن الرئيس قال له إن الأصوات فقط لم تكن موجودة. غادر الدكتور «كينغ» الاجتماع في ذلك اليوم وهو مصمم على القيام بشيء ما لتغيير ذلك.
بعد ذلك بيومين جاءت مسيرة «سِلما» التي هزت ضمير أميركا. وبعد مرور خمسة أشهر على المسيرة، وقّع الرئيس «جونسون» على قانون حقوق التصويت الوطني، وقد وقف إلى جانبه الدكتور «كينغ» و«روزا باركس».
واليوم، فإن قوى الارتداد تعرف أن مسيرة المزيد من الحقوق المدنية على أعتاب النصر، وأنه عندما يتم تحقيق النصر، فسوف نجد في اليوم التالي أنه من الصعب تصور أنه كان محل نقاش في أي وقت مضى.
وهذا النصر حتمي لأن هذه ليست مسألة يمكن استبعادها باعتبارها أمر يتعلق فقط باليسار أو اليمين، كما أظهر فريق الأحلام القانوني بقيادة «ديفيد بويس» و«تيد أولسون»، اللذين كانا على طرفي نقيض في التنافس بين بوش و«آل غور» في عام 2000، ولكنهما اتحدا للتغلب على «البند رقم 8» من قانون الحماية الزوجية في ولاية كاليفورنيا، لإثبات أن المسألة ليست مسألة ليبرالي مقابل المحافظ، بل هي مسألة الحقوق المدنية.
ولكن لمجرد أن تحقيق المزيد من الحقوق المدنية أمر حتمي لا يعني أننا لسنا بحاجة للكفاح من أجل تحقيق ذلك. إننا بحاجة لهذا. إنها معركة للتأكد من أن أميركا تبقى على الطريق المؤدي إلى الاتحاد الأكثر مثالية.
رئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية: