عندما ظهر الحديث حول تأسيس منظمة جديدة للدول المنتجة للغاز، وأطلق البعض عليها اسم «أوبك الغاز»، ظهرت كثير من صيحات السخرية والتسفيه للفكرة، وقال الكثيرون انها مستحيلة، أما في واشنطن فكان الأمر كالعادة مزدوجا.
ففي الوقت الذي كان الإعلام الأميركي يسخر من الفكرة ككل، كانت هناك جهات رسمية في واشنطن تتعامل مع الأمر على مستوى عال من الجدية والحذر أيضا، ومضت الأمور بهدوء وبإدارة مشتركة من روسيا وقطر وإيران ودول أخرى، وتشكل بالفعل منتدى الدول المصدرة للغاز في العام الماضي، ومقر أمانته في الدوحة ويتكون من 11 دولة هي روسيا وقطر ومصر والجزائر وإيران وليبيا ونيجيريا وفنزويلا وبوليفيا وترينداد توباغو وغينيا الاستوائية.
وتتمتع كل من النرويج وهولندا وكازاخستان بصفة مراقب في المنتدى، ويتوقع المراقبون والخبراء لهذا المنتدى أن يكون له تأثير فعال في أسواق الطاقة العالمية مع تزايد الحاجة للغاز في الأعوام الماضية بعد أن أصبح مصدر التدفئة الرئيسي في دول الشمال البارد، ومصدراً أساسياً أيضاً للطاقة للعديد من الصناعات الحديثة.
وتشير التقارير إلى أن دول هذا المنتدى تضخ نحو 40 في المائة من إنتاج الغاز العالمي وتملك 70 في المائة من الاحتياطيات، ويشكل إنتاج روسيا وحدها 70 في المائة من إنتاج هذه الدول بما يعادل نحو 28 في المائة من الإنتاج العالمي، الأمر الذي فرض مرشحها نائب رئيس شركة (ستروي ترانس غاز) الروسية ليونيد بوخانوفسكي أميناً عاماً للمنتدى.
الآن يدور الحديث حول الموقف الأمريكي من منتدى الدول المصدرة للغاز، حيث قيل مؤخرا ان واشنطن ترغب بالانضمام إلى هذا التكتل. وتشير وسائل إعلامية استناداً إلى الأمين العام للمنتدى ليونيد بوخانوفسكي أن المفاوضات جارية بين واشنطن وإدارة المنتدى بهذا الشأن.
أمر غريب من واشنطن التي عندما ظهرت هذه المنظمة إلى الوجود قبل عامين جاء رد فعل الولايات المتحدة عليها عاصفا، إذ ان مجلس النواب الأمريكي وجه رسالة إلى وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس يطالب فيها بإبلاغ الحكومة الروسية أن «إنشاء تكتل جديد للغاز سيعد تهديدا متعمدا للولايات المتحدة». أما اليوم فها هم الأمريكيون أنفسهم يشاركون في مفاوضات حول انضمامهم للمنتدى، فما الذي تغير إذا؟
يشير مدير معهد الاقتصاد التابع لأكاديمية العلوم الروسية روسلان غرينبرغ إلى أن الأميركيين يبذلون جهودا كبيرة في مجال استخراج الغاز الصخري. ويرى أن الولايات المتحدة من أهم اللاعبين في مضمار الغاز، ومن المنطقي أن تتطلع لدخول التكتل المذكور، خاصة وأن هذا النوع من الوقود، خلافا للنفط، لن يفقد أهميته في المستقبل. ومن ناحية أخرى فإن شركة «غازبروم» - المصدّر الأكبر للغاز الروسي ؟
والتي تحتكر وحدها أكثر من 20% من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، تعتمد على العقود طويلة الأمد، وكانت إدارة الشركة تعتبر ذلك دليلا على عملها الناجح، ولكن مواقعها في السوق الأوروبية تراجعت في ظروف الأزمة التي اضطرتها لتقليص صادراتها، بينما سارعت قطر لتخفيض سعر الغاز واحتلال السوق، كما يرى الخبراء أن «غازبروم» ارتكبت خطأ استراتيجيا آخر تمثل في تجاهلها استخراج الغاز الصخري، فبينما كان مديروها يسخرون من هذا الغاز كانت الولايات المتحدة الأمريكية تواصل تطوير تقنية استخراجه ما جعلها مؤخرا تحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث كميات الغاز الصخري المستخرج.
روسيا احتكرت الصدارة في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي في العالم لسنوات طويلة مضت، وأصبحت أوروبا تعتمد في وارداتها من الغاز على روسيا التي تعطي لأوروبا نحو 60% من حاجاتها، وهناك على الساحة منافسون كثيرون مثل قطر والجزائر وإيران وغيرها استطاعت روسيا أن تضمها معها في المنتدى الجديد، ولكن الأوضاع والمعطيات في أسواق الغاز العالمية طرأ عليها مؤخرا تغييرات جوهرية بعد تفوق الولايات المتحدة في إنتاج الغاز الصخري.
والآن أصبح لزاما على كبار اللاعبين في السوق (ومنتدى الدول المصدرة ضمنا) أن يأخذوا الولايات المتحدة بعين الاعتبار. أما شركة «غازبروم»، فيرى البعض أنها فقدت ريادتها في هذا القطاع نتيجة اعتمادها على تقنيات قديمة، ولكن هذا الأمر غير صحيح، حيث ان غاز بروم طورت في الفترة الأخيرة تقنياتها بشكل كبير، واحتلت بإنتاجها ومبيعاتها وعائداتها المركز الثالث ضمن أكبر الشركات العالمية، لكنها رغم ذلك مرغمة على التأقلم مع الوضع الجديد.
البعض يرى أن واشنطن، في الظروف الجديدة، إذا انضمت لعضوية منتدى الدول المصدرة للغاز، قد تؤثر سلبا في نفوذ موسكو بين مصدري الغاز، حيث لن يكون من اليسير على روسيا أن تحتفظ بموقع الصدارة في منظمة عالمية تضم بين صفوفها لاعبا قويا مثل الولايات المتحدة الأميركية، بينما يرى البعض الآخر أن المنافسة القوية سوف تدفع العملاق الروسي «غاز بروم» إلى تطوير نفسه أكثر وتوسيع نشاطه في مختلف أنحاء العالم، وهو الأمر الذي لا تستطيعه الولايات المتحدة لأن إنتاجها من الغاز الصخري ليس بالضخامة التي تساعدها على هذه المنافسة.