كلما مر عام على عمر دولتنا الحبيبة نتطلع نحو الأجندات المفتوحة التي باتت تشكل تحدياً لإنجازها وإنهائها، وكلنا يشعر بقدر من المسؤولية تجاه أحلام وتطلعات الوطن، ونشترك بشكل أو بآخر في المساهمة في الإنجاز، والمحافظة في الوقت نفسه على المكاسب التي تحققت طوال عمر اتحاد الدولة.
لذلك من الصعب أن نقيم الاحتفالات ونتغاضى في غمرة الفرح عن مواصلة التفكير في المراحل القادمة والتحديات التي تواجهها الدولة على كل الأصعدة، ومن منطلق مشروعية وأهمية دعم هذا البناء الراسخ في نفوس أبنائه لا بد من التوقف عند الطموحات التي لا تزال تمثل التحديات الأكبر في مسيرة الدولة، والتي من شأنها أن تحدث فارقاً كبيراً في تعزيز مشاعر الوطنية، وتعمل على إحداث مزيد من التكامل الإيجابي بين الإمارات السبع من ناحية وبين كيان الاتحاد والشعب من ناحية ثانية.
ولعل من أهم القضايا التي كانت ولا تزال تؤرق الجميع هي قضية الهوية الوطنية وتداعيات الخلل في التركيبة السكانية، وتنبهت الدولة لهذا الخلل منذ نهاية السبعينات وعملت جاهدة على تشكيل عشرات اللجان لمواجهة هذا الخلل ورغم ذلك ومع مرور الزمن اتسع الخلل ليتحول إلى حالة أشبه ما تكون بتسونامي بشري بدأ مبكراً باستنزاف خيرات الوطن وخدماته، والتهم مدخرات أجياله القادمة من ثروات مائية واقتصادية وعمرانية، ويمكن الجزم بأنه أساء لنظامه البيئي الذي لا يمكن السيطرة عليه، والكثير من النتائج السلبية الأخرى التي تغطي على مشروعية هذا التواجد وإيجابياته .
والتساؤل الذي يظل يكبر يوماً بعد يوم متى يأتي الفرج وننهي هذا الواقع المرير الذي يشعر المواطن بالضياع والتبدد في مواجهته اليومية مع الإحساس بالغربة، فالآمال معلقة على المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية من منطلق أن أي خلل في التركيبة السكانية له من التداعيات الأمنية النصيب الأكبر، لذا ننتظر البشائر الملموسة ونتطلع إلى مزيد من الشفافية في عمل اللجان المنبثقة من هذا المجلس كي يسهم المواطن بالتفاعل الإيجابي مع خططه وبرامجه ويتعرف على دوره المطلوب في ردم هذا الخلل من خلال صيغة تكاملية بين القانون وآليات التنفيذ .
من ناحية أخرى وفي خندق الهوية أيضاً نتلمس قسوة الزمن وظروفه التي أوقعت أبناء المواطنات المتزوجات من جنسيات أخرى تحت وطأة القلق لسنوات ليست بقليلة، ومن منطلق تشريعات دولية باتت تطالبنا بالالتفات إليهم، وحل مشكلاتهم التي فرضت عليهم غربة الانتماء خاصة وأن الانتساب للام المواطنة عادة ما يكون أكثر قوة ومتانة من ناحية الإحساس بالوطنية، فالأم بحد ذاتها هي الوطن واللغة والعادات، وهي المدرسة الحقيقية التي تخرج أبناء صالحين يهبون لخدمة وطنهم.
ولكن تأخر الاعتراف بهذه الحقيقة طويلاً يؤزّم الحياة التي يعيشها هؤلاء، ويعرقل مشوارهم في كونهم أبناء نافعين للإمارات يمكن أن يساهموا بدفع عجلة التنمية في مستقبلها القادم، ويعززوا من هويتها، وقد استبشرنا خيراً حين خرجت لنا التصريحات بأن هناك توجهاً لتجنيس أبناء المواطنات وطي هذه الصفحة للأبد من منطلق المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بين الجنسين.
ولكن حتى اللحظة لم نسمع الجديد عن تلك الخطوة المرتقبة، وخيبة الأمل بدأت بالتسرب لنفوس الصابرين على وضع صعب، فالأهداف المنشودة من القيام بهذه الخطوة ستنهي الأوضاع غير القانونية لوجودهم في الدولة بلا جنسية معلومة، وستعزز المصالحة النفسية في قلوبهم المصابة باليأس وعدم الجدوى، بخاصة وأنهم ولدوا وتربوا وكبروا في كنف الحضن الأكبر؟ لذلك من المهم أن نسابق للعمل في إنجاز مثل هذه التشريعات وعدم المماطلة أو التسويف.
أما القضية التي باتت تشغل الرأي العام أخيراً وتندرج أيضاً تحت إطار الهوية، فهي قضية أبناء المواطنين المنسيين في الخارج والذين يعتبرون من الناحية الفعلية ضحايا لنزوات بعض المواطنين الذين يتزوج معظمهم من أجنبيات ويتركون الجمل بما حمل دون أن يشعروا بتأنيب الضمير لهذه القسوة على فلذات أكبادهم، وقد التفت كثير من الدول الخليجية لهذه القضية وعمل على حصرهم ووضع برامج لاحتوائهم على غرار ما فعلته دولة الإمارات.
ومن باب الحرص على تثمين هذه الخطوة المهمة، لا بد من الإشادة بقرار صاحب السمو رئيس الدولة في ضرورة إرجاع هذه البذور كي تنبت في أرضها وتحت سمائها وبين أهلها، ولعله بمعاينة أوضاعهم عن قرب تم اكتشاف مدى سوء وشظف الحياة التي يعيشها غالبيتهم في ظل كنف امرأة مكسورة من طبقة فقيرة ليس لها عائل ولا يهب أحد لمساعدتها، والمفارقة أن تهب دولتنا الحبيبة لمساعدة القاصي والداني وتمنح الهبات والمساعدات لأيتام العالم، بينما لا تصل هذه المساعدات لأبناء المواطنين المحرومين في الخارج.
لذا لا بد أن تواكب هذه الخطوة الإيجابية مساعي الخير لإعالتهم وإيفاء كل احتياجاتهم من باب أولى؟ وذلك حتى يحين موعد عودتهم، ولا بد أن تعمل الجمعيات الخيرية الوطنية على إدراجهم ضمن المستحقين للصدقات وكفالتهم، ولنا في الجمعيات الخيرية السعودية قدوة حسنة والتي عملت على وضع أبنائها في الخارج على سلم أولوياتها تحت إطار مشروعها الخيري «أواصر». «ها نحن يا وطني نحلم لك ولا نتعب، لأنك الحضن الأرحب».