من يتأمل الواقع الدولي ومتغيراته المتسارعة كل يوم بل كل ساعة يدرك بما لا يدع مجالا للشك أن البقاء والاستمرارية فيه لن يكون إلا للأمهر والأقدر على الاعتماد على قدراته الذاتية سواء كانت بشرية أو مادية.
والتفوق والتميز سيكون لمن ينظر إلى المستقبل بعيون مفتوحة وعقول نابهة وقلوب متقدة وسواعد فتية. إذ لا مكان للتراجع والتقهقر في عالم صارت الخطوات إلى الأمام، تتحول إلى قفزات ووثبات زادت الفجوة كل يوم اتساعا بين شعوبنا العربية وبين شعوب العالم المتقدم وعرضتها لمزيد من الإقصاء والتهميش إضافة إلى فقدانها الدور المؤثر في كثير من القضايا سواء الدولية أو الإقليمية وجعلت زمام المبادرة في القضايا التي تعنيها في كثير من الأحايين بيد غيرها وما يترتب عليه من فقدان قوتها على الفعل وامتلاك الإرادة لتصبح سياستها في أغلبها ردات للفعل.
وليس لها عذر في قبول ذلك لأن التراجع ليس سمة بيولوجية ملازمة للمجتمعات الفقيرة وإلا كانت اليابان أكثر البلاد تخلفا قياسا على ثرواتها الطبيعية غير أنها تملك الإنسان الذي أعادها إلى الحياة من موات وإرادة التحدي التي جعلت منها ثاني أكبر اقتصاد على المستوى العالمي.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن الشعوب التي ستظل غارقة في سباتها مفضلة العيش خارج مضمار السباق والمنافسة - التي أكدت عليها قيادتنا الرشيدة في أكثر من موضع أنه ليس هناك خط نهاية للوقوف عنده أو الالتزام به مادام المقام مقام البحث الدائم عن التميز والتفرد ؟
أقول إن هذه الشعوب ذاتها معرضة لخطر التهميش الذي قد يفضي بها إلى الفناء مادامت قبلت أن تعيش على هامش دنيا الناس مستمرئة حالة الاسترخاء والبحث الدائم عن من يوفر لها أسباب الحياة التي تسلبها إرادتها وقد تنقطع عنها متى شاءت الأطراف الأخرى فضلا عن عجزها عن صنع مستقبل أجيال قادمة.
وأرى أن الاستعانة بكافة الخبرات المبدعة من مختلف بقاع الأرض في العلوم والفنون والموسيقى والعمارة والأدب دليل مناخ صحيح وجاذب ودليل قوة. فالإبداع ليس له وطن لكنه يسعى دائما دون توجيه إلى البيئة المواتية التي تسمح له بالخروج إلى النور دون قهر أو تسلط وهذه من أهم أدوات القوى الناعمة للدولة وتأثيرها الثقافي وهو مكمل للدور العسكري.
ومن يقرأ التاريخ يعلم أن «سليم وبشارة تقلا» أبناء الشام اللذين أسسا أقدم الصحف العربية لم يؤسساها في لبنان أو سوريا وان الممثل العبقري «أنتوني كوين» الذي خلع قلوبنا بأدائه حين جسد شخصية المجاهد الكبير «عمر المختار» لم يكن يوما ليبيا أو حتى عربيا. حتى على مستوى البلاد التي حققت من التقدم أعظمه لا يختلف الحال كثيرا فمن المستحيل تحديد هوية وأعراق من يعملون بمحطات الفضاء الأميركية أومن أسسوا مملكة هوليوود السينمائية التي تشكل صناعة صورة العالم المرئية، و«روبرت مردوخ» الاسترالي هو من أسس مملكته الإعلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
والقائمة لا تنتهي في كافة بقاع العالم فالإبداع ليس له وطن إلا أن الاستعانة بهذه الخبرات لا يجب أن يكون إلى مالا نهاية. فإذا تحدثنا عن فرض العين وفرض الكفاية الوطني نقول إنه لا حرج من الاستعانة بكافة الخبرات مهما كان العرق أو البلد ويصبح هنا فرض عين على كل فرد من أبناء الوطن أن يجيد صنعته ويحل محله وإلا وقع اللوم على أبناء الوطن كافة.
من هنا فإن الاستعانة بكافة الخبرات يجب أن تحدد عند إعداد وتأهيل الخبرات الوطنية لأن الاعتماد بشكل مستمر وغير محدد بهدف وزمن على الغير يفقد التنمية الأصالة والقوة والقدرة والاستمرارية بل تصبح أحيانا عناصر ضاغطة خاصة إذا تعارضت مصالحنا الوطنية مع غيرنا والتاريخ شاهد عيان على كثير من الشعوب التي لولا قدرة عناصرها الوطنية على استكمال مسيرتها التنموية لكانت خسارتها فادحة في مختلف المجالات.
والحق أن دولتنا ما غضّت الطرف يوما عن هذه القضية المصيرية باعتبار أن تنمية الإنسان وما يملكه من مهارات هي الباب الواسع للقضاء على الصعوبات التي كان قيام دولتنا من أكبر ثمار مواجهتها والتغلب عليها وعلى ذات الدرب سعت إلى استنهاض الهمم وقدح الشرارة عند كل صاحب فكر ومسؤولية لاستغلال ما أفاض الله به على بلادنا من نعم لإحداث التنمية البشرية والسير في طريق الاعتماد على الذات على الرغم من تحديات ليست بخافية على احد إلا أنها لم ولن تحول دون تحقيق الهدف النهائي من مسيرتها الظافرة بإذن الله.
وليست هذه مجرد دفعات إنشائية مغلفة بحماسة وطنية، لكن من يقرأ مذكرات الرئيس الأميركي «جورج بوش» الابن «نقاط اتخاذ القرار» وما ذكره حول اللقاء الذي جمعه مع عدد من المسئولين في الدولة وكيف انه وجدهم في سن الشباب ومن بينهم شابات في مقتبل العمر متوقدات الذهن .
ويحملن إصرارا على تحقيق المزيد من التقدم والرقي لوطنهن فضلا عن حديثة الذي لا يخلو من الدهشة عن طلبة الجامعة في دبي، وأكمل بإعجابه الشديد لما رآه من نهضة عمرانية ليزيد ذلك من يقيننا أن الإمارات لم تنظر إلى التنمية نظرة أحادية الجانب، ولم تهتم بالحجر دون البشر ولكن كان الإنسان دائما نقطة الارتكاز ومحور الاهتمام فهو باعث النهضة وضمانة استمرارها.
إن التنمية البشرية مهما كانت فلسفتها وتعدد نظرياتها إلا أنها ببساطة لا يمكن أن تتحقق على ارض الواقع إلا عندما تخرج من رحم إرادة وطنية مدفوعة بالحب والإخلاص للقيم الوطنية. وليس هناك نماذج جاهزة يمكن استنساخها وتطبيقها على أي مجتمع بعيدا عن دوافع حقيقية مرتبطة بطبيعة المجتمع وقيمه ومفاتيح استنهاضه إضافة إلى عامل الجغرافيا والتاريخ.
ولاشك أن ما أحرزته الإمارات من مكتسبات تنموية على كافة الأصعدة، وهو ما أظهرته التقارير العربية والدولية، ما كان لولا جهود مستمرة على مدار سنوات تسير وفق خطط محكمة وإرادة جعلت من التميز شعار عمل لا يقتصر على دولتنا فحسب ولكن شملت تلك الدعوة محيطنا العربي والمؤتمرات العديدة التي احتضنتها والذي كان آخرها المؤتمر الإقليمي لريادة الأعمال والذي عقد في دبي، حين أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عند افتتاحه «أن الشباب العربي قادر على تحقيق أهدافه مهما بلغت التحديات».
إن المجتمعات النامية تشكل ما يقرب من ثلاثة أرباع العالم وبين يديها ثروات هائلة إلا أن هناك قوى خارجية لما فشلت في سلبها تلك الثروات اتجهت إلى سلب أبنائها إرادة البناء وأفقدت شعوبها القدرة على التفكير والإبداع والثقة في النفس وزرعت في نفوسهم اليأس من تغيير الحال إلى حال أفضل. لذا فإن تحرير إرادة الإنسان وتنميته لن تبعث إلا من عمق المجتمع ذاته فالسماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وهو ما يزيدني يقينا بأن التنمية البشرية إرادة وطنية.
