تركّز انتباه العالم خلال أيام عديدة ماضية على قمّة العشرين في كوريا الجنوبية يوم 12 نوفمبر. لكن لقاء رؤساء دول وحكومات العشرين لم ينتج عنه الكثير والبيان الختامي شديد التواضع. فهل هذا دليل على التعقّل أم على العجز؟
ينبغي التذكير أوّلا أن قمم العشرين السابقة قد انبثقت عنها بيانات مدويّة والتزامات كثيرة لم يتم الوفاء بها. هكذا كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد صرّح أثناء قمة لندن في شهر أبريل 2009 أن القرارات المتخذة حول ملفات الفراديس الضرائبية سوف تؤدي إلى «نظام عالمي جديد».
هذه المرّة ليست هناك تصريحات مدوّية بالرغم من تهديد «حرب العملات» التي حامت باستمرار على أجواء القمّة وشكّلت البند الأول من جدول الأعمال. وقد اكتفت القمّة أن تعطي لصندوق النقد الدولي عنوان مجموعة عمل مكلّفة بتحضير خطّة في أفق ربيع عام 2011 تخصّ المؤشرات التي تسمح بتقييم مدى خطورة موازين المدفوعات الجارية.
وعندما يتم إعداد المؤشرات المعنيّة وتبنّيها من قبل وزراء المالية سيكون صندوق النقد الدولي مكلّفا بلفت انتباه البلدان حول مخاطر العجز أو الفائض المفرط لتجارتها الخارجية بالنسبة للآخرين.
ومن المشكوك فيه فعالية مثل هذه الآليات. كذلك لم تعرف قمّة العشرين كيف تتجاوز الانقسامات ولم يتم الوصول إلى أيّة مصالحة. ولم يقم أي من المتنافسين الكبيرين، أي الولايات المتحدة والصين، بخطوة حقيقية من أجل تخفيف «حرب العملات» الكامنة.
القرار الثاني للقمّة يخص إصلاح نظام الحصص وحقوق الاقتراع داخل صندوق النقد الدولي مما يعطيه شرعيّة أكبر. وقد تضاعف رأسمال الصندوق من 374 مليار إلى 750 مليار دولار؛ وقبل الأوروبيون واليابانيون والكنديّون تقليص حصصهم مما سمح لبعض الدول الصاعدة بزيادة حصصها (المساهمة في رأس المال) وبالتالي في أصواتها داخل مجلس إدارة الصندوق.
ومقابل زيادة وزن هذه الدول الصاعدة تخلّت عن نقدها التقليدي الصحيح حيال صندوق النقد الدولي الذي تسيطر عليه البلدان الغنيّة. هذه البلدان لم تعد تمثّل اليوم سوى 3,55 بالمائة من حقوق الاقتراع مقابل 60 بالمائة قبل 2006. وتدعيم وزن الدول الصاعدة سوف يسمح لها بالاطلاع أكثر على الشروط التي يفرضها الصندوق على الدول التي تعاني من صعوبات.
وبمعزل عن زيادة وزن الدول الصاعدة فإن النقد الجوهري حيال الصندوق وقمّة العشرين هو أنهما يمثلان إدارة جماعية للدول الأقوى في العالم. وأغلبية البلدان النامية وخاصّة أكثرها فقرا لا تحظى سوى بتمثيل ضئيل.
إن منظمّة مثل الأمم المتحدة يمكنها، في الواقع، أن تزعم تمثيلها للمصلحة العامّة الشاملة. ولذلك تستوجب عملية الإصلاح الضروري للنظام المالي والنقدي العالمي عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة ـ قمّة ال192 ـ وليس قمّة العشرين.
ثمّ إن هذه الطريقة في معالجة الملفات الاقتصادية والمالية تنطبق أيضا على التحديات السياسية العالمية المطروحة على الجميع. الشعور السائد اليوم هو أننا نعيش في عالم مصاب بالشلل حيث يعاني فيه المسؤولون السياسيون الرئيسيون من العجز المقلق. والمشهد الدولي يعرف فترة من الزوابع التي لا يستطيع أحد السيطرة عليها بشكل فعّال.
والنجاح الذي حققه الجمهوريون في أميركا منذ فترة قريبة سيسمح لهم بخوض معركة تعطيل جميع مبادرات إدارة باراك اوباما. هكذا أشار العديد من قادة الحزب الجمهوري أنهم لن يكتفوا حيال الملف النووي الإيراني بسياسة العقوبات الاقتصادية ضد طهران.
ولا يمكن استبعاد أن الأمر سوف يصل بهم إلى تشجيع أصدقائهم من اليمين الإسرائيلي للقيام بضربات وقائية ضد إيران. وبنفس الطريقة يمكن التشكيك بإمكانية قيام وفاق حقيقي بين واشنطن وموسكو.
وماذا يمكن القول بالنسبة لعجز الاتحاد الأوروبي عن تطوير سياسة خارجية حقيقية مشتركة وأن يكون له وزنه على الملفات الرئيسية العالمية؟ أمّا الصين فتعزز من جهتها باستمرار وزنها الاقتصادي لكنها لا تملك من القوّة السياسية ما يسمح لها حاليا بالتأثير في المسرح الدولي.
إن التغيرات الدولية الحاصلة على الصعيد الدولي تضعنا جميعا في وضع صعب. الكل يعرفون أنه لم يعد ممكنا تسيير العالم حسبما كان سائدا خلال العقود الأخيرة. ولكن ليس هناك من يستطيع أن يصوغ اقتراحات بنّاءة من أجل مستقبل أكثر صفاء. وقمّة العشرين الأخيرة دليل بليغ على ذلك.
مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس