كالعادة، كان من المتوقع أن ينتهي الخلاف الأميركي- الإسرائيلي بشأن الاستيطان لصالح إسرائيل، فالتاريخ القريب للعلاقات بينهما فيما يتصل بقضايا الصراع الفلسطيني والعرب الإسرائيلي، يؤكد هذه الحقيقية.

لا تختلف الإدارات الديمقراطية عن الإدارات الجمهورية إزاء هذا الأمر والشواهد العملية كثيرة بما يؤكد تصريح نتنياهو من واشنطن حين يقول «إن الخلاف مع الإدارة الأميركية مؤقت».

لا يعود السبب فقط إلى قدرة إسرائيل واللوبي اليهودي الأميركي على التأثير في صناعة القرار السياسي الأميركي، فالأساس هو أن إسرائيل ما تزال تشكل العنوان الرئيسي في الاستراتيجيات الاستعمارية التي تتصل بهذه المنطقة بما فيها من خصائص وإمكانيات وثروات لا يستطيع الغرب الرأسمالي الاستغناء عنها، خصوصاً في ظل صعود قوى إقليمية ودولية كبرى تتجه لتوسيع نفوذها ومصالحها في هذه المنطقة الحساسة.

ممنوع أن ينشأ في هذه المنطقة مشروع قومي عربي، وحتى تبلور دول قطرية قوية تتمتع بالاستقلال والسيادة على ثرواتها، خصوصاً وأن الكثير من الاستراتيجيين يؤكدون أن العالم لن يجد بديلاً عن النفط قبل مئة عام مقبلة.

لمحاصرة التمدد الصيني والروسي وربما الياباني المحتمل بفضل التطور الاقتصادي المتسارع في هذه الدول، تعمل الولايات المتحدة على تعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي، وتنشيط وظيفة إسرائيل حسب الحاجة، بالإضافة إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي المباشر، والذي يصل تعداده في المنطقة إلى نحو أربعمئة ألف جندي. الجهد الأميركي لبناء حاجز عسكري أمني يصل أوروبا بالمحيط الهندي لا يتوقف، ويتسع ليشمل دولاً في قلب آسيا بالغرب من حدود الصين وروسيا.

وكما يتحدث نتنياهو بثقة حول مستقبل الخلاف الأميركي- الإسرائيلي بشأن الموقف من الاستيطان، واستئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، فإن صناع القرار الأميركي يتحدثون حول الأمر ذاته، بالقدر ذاته من الثقة.

الإدارة الأميركية طبقت مع الفلسطينيين والعرب مهلة تمتد حتى نهاية هذا الشهر، ونصحت بألا تدعى لجنة المتابعة العربية للاجتماع، مما يعني أيضاً أن الطرف الفلسطيني يمكن ألا يفعل دعوة الرئيس محمود عباس لمجلس الأمن الدولي من أجل مناقشة موضوع الاستيطان أو حدود الدولة، على الأقل حتى تنتهي المهلة الجديدة، التي قد لا تكون الأخيرة.

كخط عام، من الواضح أن الإدارة الأميركية لا تفكر بالتحول نحو ممارسة الضغط على إسرائيل، مما يعني أنها ستواصل تقديم المزيد من الأثمان والمكافآت لها ومواصلة الضغط عند اللزوم على الأطراف الفلسطينية والعربية لتقديم المزيد من التسهيلات.

ليست هناك حلول وسط لمسألة الاستيطان، فلقد وضع نتنياهو هذه القضية في إطار استراتيجي، أوسع وأبعد مدى من كونها قضية تكتيكية لتحسين الموقف التفاوضي.

قبل لقائه الطويل مع وزيره الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في واشنطن، أصدر الناطق باسم نتنياهو يوم الأربعاء العاشر من هذا الشهر تصريحاً قال فيه «إنه ينوي خلال لقائه مع كلينتون طرح تفاهمات أميركية- إسرائيلية واسعة النطاق حول الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية في إطار اتفاق السلام، وذلك في ضوء التحديات الأمنية الكبيرة المرتقبة في السنوات المقبلة».

نتنياهو الذي ينتظر المزيد من المكافآت، لتعظيم المكاسب مقابل تجميد الاستيطان لفترة محدودة، كان واثقاً بما يقول، فلقد قدم بدوره إغراءات للإدارة الأميركية تتجاوز مساعيها وحاجتها لتحقيق اتفاق سلام فلسطيني- إسرائيلي.

يقول نتنياهو إن الفرص لإحراز اتفاق سلام ستزداد بشكل ملموس من خلال تفاهمات أمنية واسعة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وانه يتجه نحو توسيع عملية السلام مع دول عربية أخرى (المقصود سوريا ولبنان) بموازاة التسوية مع الفلسطينيين.

إدارة أوباما التي ربطت منذ بداية عهدها، تقدم عملية السلام بالمزيد من التصعيد في مواجهة المشروع النووي الإيراني، تتصرف على اعتبار أن ما يطرحه نتنياهو يندرج في سياق معادلتها، مما يعني أنها مستعدة دائماً للتعاطي إيجابياً مع التوجه الإسرائيلي، خصوصاً وأنها وافقت على إبرام صفقة لتزويد إسرائيل بالسلاح هي الأخطر وربما الأضخم التي تحصل عليها حكومة إسرائيلية.

عشرون طائرة «أف 35» مجانية ومثلها مدفوعة الثمن يصل الثمن الإجمالي ستة مليارات من الدولارات.

وإذا كان التوسيع لعملية السلام الذي يقصده نتنياهو واضح على أنه يشمل سوريا أساساً ولبنان، فإن علامة استفهام كبرى ترتسم حول مدى التفاهمات الأمنية التي يجري تداولها مع الإدارة الأميركية.

هل هذه التفاهمات عند حدود «القدس» مقابل «طهران»، بمعنى وقف جزئي ومحدود للاستيطان لا يشمل القدس بما يسمح باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، مقابل تصعيد الإجراءات وصولاً إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران؟

إذا كان هذا هو العنوان والإطار العام، فإن ما دون العنوان، سيشمل كيفية التعامل مع حزب الله ولبنان عموماً، ومع حركة حماس وقطاع غزة. وربما مع ملفات أخرى عربية مفتوحة على أزمات عميقة.

بات من المؤكد أن حجم إسرائيل تطلب من الولايات المتحدة، رسالة ضمانات أمنية استراتيجية تضع تفاصيل وإجراءات لرسالة الضمانات التي سبق للرئيس الأميركي السابق جورج بوش أن قدمها لشارون في 14/4/2004، والتي تتضمن مواقف أميركية إزاء كل قضايا الحل الدائم مع الفلسطينيين، وتعد إسرائيل بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك.

لقد نجح نتنياهو في إعادة ترطيب العلاقة مع واشنطن، وفي أن ينتزع من الفلسطينيين والعرب ملف الاستيطان الذي يتمسكون به لرفض استئناف المفاوضات، مقابل تحقيق أهداف وإنجازات استراتيجية تفوق قدرات الفلسطينيين، وأن يلقي بالكرة الملتهبة في أحضانهم، بدلاً من أن تكون في حضن إسرائيل.

من الواضح أن المفاوضات التي تجري منذ بعض الوقت بين الحومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، قد وصلت إلى نهايتها لتبدأ «مفاوضات» أميركية فلسطينية تستهدف إرغام الفلسطينيين والعرب على التعاطي الإيجابي مع حصيلة المفاوضات الإسرائيلية- الأميركية التي أنتجت تفاهمات أمنية أشد خطراً من ملف الاستيطان.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com