طرح هذا السؤال في ثمانينات القرن الماضي المفكر القومي اللبناني فيكتور سحاب في كتاب شهير صدر بنفس العنوان، وكان رأيه أن دولة الوحدة العربية هي الوحيدة الكفيلة بحماية المسيحيين وأبناء كل الأقليات في الدول العربية. ومنذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة في الساحة العربية.

ويبدو أن الإجابة النموذجية التي قدمها المفكر اللبناني لم تعد صالحة الآن لأن حلم الوحدة العربية أصبح أقرب إلى الاستحالة منه إلى التحقيق، ومازال السؤال نفسه مطروحاً في ظل ما تشهده أكثر من دولة عربية من توتر في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. كذلك فإن تقارير عدة تشير إلى معدل هجرة غير مسبوق لدى المسيحيين العرب إلى دول الغرب خاصة الولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها من دول المهجر.

وإذا كانت دولة الوحدة العربية أصبحت مستحيلة، فإن دولاً عربية عدة أصبحت تفتقد إلى مقومات الدولة مثل الصومال واليمن والعراق التي شهدت مؤخراً حدثاً مؤسفاً في مواجهة المسيحيين، وهو الهجوم الوحشي الذي حدث من تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ضد إحدى الكنائس والذي أصدر بعده التنظيم بياناً هدد فيه أقباط مصر؟ أعلن فيه أنهم أصبحوا مستهدفين ما لم يتم الإفراج عن امرأتين مسيحيتين؟ يعتقد التنظيم أنهما أسلمتا وأنهما محتجزتان بسبب إعلان إسلامهما؟

وهما وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة.

والحاصل أن الأزمة التي يمر بها المسيحيون العرب، أصبحت أعتى عن تلك التي مرت بها نفس الأقلية منذ انهيار الدولة العثمانية، فمع بداية دولة التحرر الوطني في الدول العربية كانت الشرعية التي تستند إليها هذه الدولة تعطى قدراً من المساواة.

وبالتالي الحماية للأقليات، ولكن مع مرور الزمن تآكلت هذه الشرعية، لصالح صورة أخرى من الشرعية كانت في معظمها دينية إسلامية، وغازلت بعض الدول العربية التيارات السلفية المعادية للأقليات بطبيعتها وعلى الأخص الأقلية المسيحية، الأمر الذي برز أزمة الأقليات في الدولة العربية.

وبدأت التوترات الطائفية تظهر في الواجهة، خاصة في ظل عدم حسم الدولة العربية لخياراتها لصالح خيار المواطنة التي تعنى في داخلها الحداثة والديمقراطية والتعددية، والتخلي عن أي بعد أو طابع طائفي في الحكم.

والذي زاد من تعقيد المسألة المسيحية في الوطن العربي أن دولاً خارجية أصبحت أكثر اهتماماً بالمسألة المسيحية سواء لأنها تضع نفسها في موضع حماية المسيحيين لأسباب تاريخية مثل فرنسا؟

فيما يتعلق بموقفها التقليدي المتعلق بحماية موارنة لبنان، أو لأنها تستخدم ورقة الأقليات لأغراض أخرى مثل الولايات المتحدة في علاقتها مع بعض الدول العربية وعلى رأسها مصر، وهذا الوضع أدى إلى توتر مجتمعي طائفي بين المسيحيين والمسلمين الذي تصور قطاع منهم أن الضغط على المسيحيين بمثابة رد على الظلم الغربي الواقع على المسلمين، والذين حمل قطاع آخر منهم، مثل التيار السلفي الذي يمثله تنظيم القاعدة، المسيحيين تبعات الموقف الأميركي المعادى للإسلام.

كذلك فإن ما يحدث حالياً من توتر في العلاقة بين المسيحيين والمسلمين يمكن أن نرجعه إلى ما يطلق عليه الصراع داخل الحضارات وهو أحد تجليات صراع الحضارات كما نظر له وأرساه عالم السياسة الأميركي صمويل هنتنجتون؟ حيث يرى علماء أن بعض القوى المحلية في العالم الإسلامي ترى أن هناك قوى أخرى تعيش معها في نفس المجتمع تنتمي إلى حضارة الغرب، وبالتالي لابد من مواجهتها بنفس القدر الذي تواجه به الحضارة الغربية خارج العالم الإسلامي.

وعلى رأس هذه القوى «الغربية» المسيحيين والعلمانيين. ومن هنا يمكننا تفسير عمليات حصار واستهداف التيارات العلمانية التي تسير جنباً إلى جنب مع عمليات استهداف المسيحيين في بعض الدول العربية.

وبالطبع فإن الأزمات المجتمعية والاقتصادية التي تعانى منها الدول العربية أدت إلى تأزيم العلاقة بين المسلمين والمسيحيين مثلما يحدث في كل المجتمعات التي تشهد أزمات مشابهة ويتم تحميل «الآخر» تبعات الأزمات مع اختلاف الآخر في كل مجتمع عن مجتمع آخر؟

فهو قد يصبح مهاجراً في الدول الأوروبية أو منتمياً إلى أقلية عرقية في مجتمع ثان أو إلى أقلية دينية في مجتمع ثالث. والمؤسف ان المسيحي أصبح «آخر» في بعض المجتمعات العربية أو أصبح هكذا لدى قطاعات ما داخل المجتمعات العربية.

وحماية المسيحيين العرب تتطلب إعادة الاعتبار إلى الدولة العربية أي أن تعود الدولة إلى ممارسة دورها بعيداً عن الوضع الراهن الذي استقالت فيه عن أداء هذا الدور والذي تراجعت فيه لصالح جماعات محلية أو لصالح قوى خارجية.

وعودة الاعتبار إلى الدولة العربية يعني أن تستعيد الدولة شرعيتها لدى مواطنيها، عبر شرعية حديثة بعدما ثبت ان الشرعية المستمدة من الدين أدت إلى مشكلات بين القوى المحلية على رأسها ما تشهده حالياً من توتر بين الأقليات الدينية، والشرعية الحديثة تعني الديمقراطية وتحسن أداء الدولة في رعاية مصالح مواطنيها عبر إشباع حاجاتهم الأساسية. وهو ما يعني ضمناً أن تتحول الدولة من التقليدية إلى الحداثة ومن دولة الشرعية الدينية إلى دولة المواطنة؟ فهي الوحيدة الكفيلة بحماية المسيحيين العرب.

فإذا كان فيكتور سحاب قد رأى أن دولة الوحدة العربية هي الكفيلة بحماية المسيحيين العرب، فإن تطورات ربع القرن الماضي؟ أي فترة ما بعد صدور كتابه المهم؟ أكدت أن دولة المواطنة أصبحت هي الوحيدة الكفيلة بحماية المسيحيين العرب، فهل تستجيب الدولة العربية لذلك؟

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com