تصريحات وزير الخارجية سيرجى لافروف التي أعلن فيها حرص موسكو على أن تتمكن قمة روسيا والناتو من إنهاء الحرب الباردة، تعكس مساعي جادة من جانب روسيا من أجل التوصل إلى لغة تفاهم مشتركة مع أوروبا، توفر الإمكانية لصيانة الأمن الأوروبي والاستقرار الدولي.

حرص موسكو على إنهاء الحرب الباردة يأخذ بعين الاعتبار أن نقاط التقارب أكثر من ملفات الخلافات. وتدرك روسيا أن ملف توسع الناتو والدرع الصاروخية الأميركية تعتبر المواضيع الأساسية التي سيحقق التوصل لتسوية فيها نقلة نوعية في التعاون الروسي - الأوروبي.

وذلك باعتبار أن هذين الملفين يعكسان بوضوح سوء النية في التعامل مع روسيا، إذ لا يوجد أي مبرر لتوسعات حلف الناتو شرقاً نحو الحدود الروسية، ولا مبرر لنشر منظومة دفاع صاروخي لمنع صواريخ لا يملكها أحد في العالم سوى روسيا.

وتعكس مرحلة الإعداد لهذه القمة بين حلف الناتو وروسيا حرصاً أوروبياً على التقارب مع موسكو، ليس فقط بسبب قرار قيادة الحلف بعدم بحث ملف توسيع عضوية الناتو. وإنما أيضاً نتيجة حرص الناتو على مشاركة روسيا في حماية الأمن الأوروبي والاستقرار الدولي، وهذا ما سعت إليه روسيا منذ سنوات، حيث كانت تسعى لأن تجبر الغرب على الاعتراف بأن روسيا شريك أساسي في الأمن الأوروبي، وأن أي تصور لهذا الأمن من دون روسيا سيعني في الواقع أنه موجه ضدها.

ولاشك في أن دعوة سكرتير عام حلف الناتو أندرس رسموسين إلى روسيا للمشاركة في إقامة منظومة صاروخية دفاعية عالمية خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وبديل عن عدم تجاوب أوروبا مع مقترح الرئيس ميدفيدف الخاص بالاتفاق على ميثاق للأمن الأوروبي.

لكن هذا التعاون يحتاج إلى التفاهم على تفاصيل كثيرة، أهمها حجم المشاركة الروسية، ومدى التعامل معها بجدية. وهل ستتجاوب الأطراف الأوروبية مع رؤية موسكو لمكامن الخطر التي تهدد الأمن الدولي، إذ يجب أن يتم الاتفاق في الأساس على تحديد مصادر الخطر التي تهدد أمن أوروبا، وباعتبار روسيا جزءًا من أوروبا ومن أمنها.

فبالتالي ستشكل مصادر الخطر تهديداً لروسيا أيضا، وهذا أمر في الواقع صعب تحديده والاتفاق عليه، فقد يرى البعض في أوروبا أن إيران، على سبيل المثال، تشكل تهديدا، وهو ما لا تراه روسيا بالطبع، وقد ترى روسيا أن نظام ساكاشفيلي الحاكم في جورجيا يشكل تهديدا لأمنها، وهو ما لن يراه الكثير من الأوروبيين، وهكذا تظهر الصعوبات، ولكن هذا لا يعني صعوبة الاتفاق.

فهناك الأشياء الكثيرة المتفق عليها، ولعل ملف أفغانستان أصبح من أبرز المحاور التي تعبر عن نجاحا ملموسا في مواجهة مخاطر الإرهاب ومكافحة المخدرات، نتيجة لوجود تعاون عملى وجاد بين الطرفين على كافة المستويات، وليس فقط على مستوى تبادل المعلومات.

لكن التوصل لرؤية مشتركة لا يستند فقط إلى ما يمكن أن يجرى على طاولة المفاوضات، وإنما يحتاج إلى منظومة كاملة من العمل المشترك تجعل لكافة الأطراف مصالح متقاربة، ما يجعلهم يسعون لحمايتها بشكل مشترك.

ويمكن القول انه من الخطوات الأساسية لتعميق وتطوير التقارب الروسي- الأوروبي هو توقيع اتفاقية التعاون والشراكة، والذي تم تأجيله عدة سنوات، بل إن القمة الطارئة التي عقدت في جورجيا، قررت تعليق المحادثات عقب أحداث أغسطس 2008 في أوسيتيا الجنوبية. ثم استأنفت المفاوضات مرة أخرى في ديسمبر من نفس العام.

ورغم أن وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت أن المفاوضات بين روسيا والاتحاد الأوروبي قد حققت تقدما على صعيد تنسيق الأقسام الأربعة التي تنص عليها الاتفاقية المستقبلية حول الشراكة والتعاون، والتي تضم أربعة مجالات للتعاون، هي: التعاون في ميدان الحوار السياسي والأمن الخارجي، والتعاون في ميادين الحرية والأمن والقضاء، والتعاون في المجال الاقتصادي، والتعاون في الشؤون الثقافة والتربية والإعلام والرياضة والشباب.

إلا أن بعض أطراف الاتحاد الأوروبي لا تزال تعرقل التوصل للصيغة النهائية للمعاهدة، انطلاقا من قناعتها بأن التعاون مع روسيا لا يحقق مصالحها.

المشكلة التي تواجه الدبلوماسية الروسية أن الكبار من أقطاب أوروبا القديمة ورموز الحرب الباردة في القرن الماضي يسعون بشكل جاد لإنهاء هذه الحالة من العلاقة مع روسيا، بل ويعتبرون أن التعاون مع موسكو يشكل حلقة أساسية في النهوض بالاقتصاد الأوروبي وصيانة الأمن العالمي.

ومن هذه الدول فرنسا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا، لكن دول أوروبا الجديدة الصغيرة، أي البلدان التي خرجت من عباءة المعسكر الاشتراكي، تعيق تطوير هذا المسار، وذلك مثل بولندا وتشيكيا، رغم أن هذه الدول في حد ذاتها تشكل عبئاً اقتصادياً وعسكرياً على المنظمات الأوروبية، لكنها تلعب الدور الأساسي في إعاقة مساعي بقية الدول الأوروبية لبناء علاقات مثمرة مع روسيا.

وتستغل في ذلك الحق المتساوي للدول في التصويت داخل الاتحاد الأوروبي، قد يكون ذلك بسبب قناعة قياداتها بأن روسيا السوفيتية كانت ذات أطماع كبيرة وتسببت في أزمات عديدة لهذه الدول، وقد يكون ذلك لحساب أطراف غير أوروبية، نظير الحصول على مساعدات مالية ودعم سياسي.

وبصرف النظر عن الدوافع أو الأسباب، إلا أن هذا الموقف يضر بالمصالح الأوروبية، ما يتطلب موقفا جادا من الدول صاحبة الثقل السياسي والاقتصادي في القارة الأوروبية. ومن دون هذا الموقف لن تتمكن أوروبا من تحقيق مصالحها الاقتصادية، والنهوض بنفوذها ودورها في المجتمع الدولي.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru