التايوانيون شعب متعلم ومزدهر وناجح، مزقته مشاعر القلق المعقد لدرجة أنهم لم يعودوا يقرون بأن تلك هي حالتهم.

وفي تجسيد لذلك تقدم وزير التعليم التايواني، أخيراً، بمقترح قوامه أن ينشد طلاب المدارس النشيد الوطني أثناء التجمعات الصباحية، تماماً كما يفعل الطلاب في العديد من المدارس في جميع أنحاء العالم.

وهنا، رغم ذلك، يثير الاقتراح جدلاً غاضباً. فقد احتج أولياء الأمور، واشتكى الحزب السياسي المعارض من أن التايوانيين ليس لديهم ما يفخرون به ما دامت سيادة البلاد لا تزال تحت التهديد المستمر من الصين.

الصين، بطبيعة الحال، ما زالت مصممة على تحقيق «إعادة التوحيد» التايواني. ولكن تايوان تعد دولة ديمقراطية مزدهرة، ولا أحد تقريباً فيها يفضل ذلك. فهم لا يثقون في الصين، حتى ولو للحظة واحدة، ويرون دافعاً مظلماً وراء كل شيء تفعله بكين. وهذا الصراع الذي امتد لـ 61 عاماً يحرك كل شيء يحدث في تايوان.

ويظل التايوانيون أيضاً خائفين من الصين، حتى لدرجة أنهم في بعض الأحيان يدور بخلدهم سؤال عما إذا كان ينبغي التلويح بعلم تايوان في الفعاليات الرياضية. وبشكل عام، يمتنع الدبلوماسيون التايوانيون عن التفاعل السياسي مع المجتمعات الأخرى. فهم يقيمون الفعاليات الثقافية بدلاً من ذلك.

بعد سنوات من الصراع، تحاول الحكومة الحالية تبني نهج آخر، وهو تجارة أكبر مع الصين. وخلال هذا الصيف، وقّعت تايبيه وبكين اتفاقية للتجارة الحرة، وهي الاتفاقية الاقتصادية الرئيسية الأولى على جانبي المضيق.

أكد الرئيس التايواني «ما ينغ جيو» أخيراً قوله: «المفاوضات أكثر فعالية من العلاقات العدائية مع الجانب الآخر». ولكن التايوانيين يرون أيضاً حبكة ثانوية. حتى أن وزير الخارجية التايواني «تيموثي شين تيان يانغ» اعترف، بعد إلحاح في مقابلة معه بالقول: الصين «قد تريد شيئا آخر» بالإضافة إلى التجارة الحرة.

قالت لي «بي كيم هسياو»، مديرة الشؤون الدولية للحزب التقدمي الديمقراطي المعارض في تايوان: الصين «لم تعد تستخدم الصواريخ. فهم يحاولون شراءنا، عن طريق استخدام النفوذ الاقتصادي بطريقة مركبة».

وبصراحة، فإنني اتفق معها. فحتى الآن، بعد مرور ستة عقود من فرار القوميين الصينيين إلى تايوان خلال الثورة الشيوعية، لا تزال الصين مهتمة إلى حد الهوس بهذا المكان. فهي تجوب العالم لتوزع مليارات الدولارات في شكل معونة المالية، ما دام المتلقون يوافقون على سياسة «الصين الواحدة»، التي تتبعها بكين وتقصد بها أن تايوان في الواقع جزء من الصين.

نتيجة لذلك، فإن تايوان قادرة على الإبقاء على سفارات لها في 23 دولة فقط. وهندوراس لديها أكبر تمثيل دبلوماسي تايواني. والآن، تحاول الصين كسب ود جمهورية الدومينيكان عن طريق تقديم معونة وفيرة.

في اليوم نفسه الذي تحدث الرئيس التايواني خلاله عن الفوائد التي يأمل بأن تعود من اتفاقية التجارة الحرة، أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، خلال اجتماعها في بكين، بياناً قالت فيه إنها: «ستواصل تعزيز التنمية السلمية للعلاقات بين الصين وتايوان، بينما تسعى إلى إعادة توحيد البلاد».

ما هو الغامض في ذلك؟

على مدى عقود، لم يجر الجانبان محادثات ثنائية. باستثناء مرة واحدة، منذ 14 عاماً، عندما أطلقت الصين صواريخ لا تحمل متفجرات على الجزيرة، من أجل تخويف الناس فحسب. والآن، غيرت الصين هذه التكتيكات. فهي ترسل مئات الألوف من السياح إلى تايوان، وهناك ما يصل إلى ألفي طالب صيني في الجامعات التايوانية.

ويجاهر حزب المعارضة بازدرائه للصين، ويخشى من عزم بكين زيادة هيمنتها على الاقتصاد التايواني، بدرجة توهن معها قدرة الجزيرة على المقاومة، كالعديد من الدول الأخرى التي تتردد في إثارة غضب الصين، خوفاً من العواقب الاقتصادية.

وكما قالت «هسياو»، فإن الناخبين أخبروها بالفعل: «أريد أن أساعدكم، ولكنني أقوم بالكثير من الأعمال التجارية مع الصين».

الرئيس التايواني لديه شعار يقول: لا إعلان للاستقلال، ولا للتوحيد مع الصين ولا للحرب. وهذا ما يترك التايوانيين متذبذبين باستمرار في وضعية متردية،أمة لا يعترف بها معظم الآخرين شيئاً، وشعب مبعد عن المجتمع الدولي.

وذلك يجر عواقب. ولدى تايوان أدنى معدلات للمواليد في العالم. ويشير التايوانيون عموماً إلى الظروف الاقتصادية، وأن تكلفة المعيشة أصبحت باهظة بالنسبة لتربية الأطفال. لكن عليّ أن أتساءل عما إذا كان كثير من الناس أيضا لا يرغبون في أن يأتوا بأطفال في عالم بلا انتماء.

ولدى تايوان صحافة حرة، ولكن الناس فيها ينتابهم اليأس حول الطابع التافه لما تنقله. في الأيام القليلة الماضية، نقلت عدة صحف أخبار عن طالب جامعي كان يرتدي زي فتاة حتى يتمكن من التسلل إلى حمامات الفتيات ومشاهدتهن أثناء الاستحمام. ونشرت إحدى الصحف التايوانية خبراً كاملا عن خادمة فلبينية ولدت طفلها على متن طائرة. والتايوانيون يعانون في تفسير هذه الظاهرة. ولكن مرة أخرى، إذا كنت تعيش تحت تهديد مستمر من جارة قوية، فهل لديك الرغبة في أن تقرأ هذا كل يوم؟

لقد تنمّرت الصين على العالم لكي ينقلب ضد تايوان. ولكن التايوانيين يمضون قدماً مثقلين بالجراح والقلق أصبح ما بين جريح وحذر. وعلينا جميعاً أن نأمل أنهم يمكنهم المثابرة.

كاتب أميركي فاز بجائزة بوليتزر

opinion@albayan.ae