تحدثنا في المقالتين السابقتين عن بعض المعايير التي يجب توافرها في الدولة التي تستحق وصف القوة العظمى، وتناولنا دولاً مثل الصين واليابان وألمانيا، وبقيت لدينا روسيا، الدولة التي ورثت أكثر من 80% من تركة الدولة السوفييتية العظمى، وواجهت أزمات وكوارث اقتصادية غير عادية في سنوات التسعينات الماضية، حتى تصور الكثيرون أنها على وشك الانهيار والتفكك لدويلات صغيرة، لكنها عادت مع بداية الألفية الجديدة للنهوض مع وصول فلاديمير بوتين للحكم.
هذا الشاب المفعم بالوطنية والإيمان بروسيا العظمى، والقادم من دهاليز جهاز الاستخبارات السوفييتي العملاق «كي جي بي»، بوتين الذي يشبهه الشعب الروسي بالقيصر التاريخي بطرس الأول، باني روسيا الحديثة في القرن 17، وبالفعل، وبشهادة حتى أعداء وخصوم روسيا، استطاع بوتين خلال فترتي الرئاسة اللتين قضاهما من 2000 حتى 2007 أن يحقق ما يشبه المعجزات.
وأن يعيد بناء القوة العسكرية الروسية، وينهض بالاقتصاد الروسي، بالقدر الذي جعل الكثيرين يأملون في روسيا لتغيير سياسة الأحادية القطبية الأميركية. ولكن لماذا روسيا بالتحديد، وليس الصين مثلاً؟
لا شك في أن الصين أقوى اقتصاديا بكثير من روسيا، ولكن القوة العسكرية الأميركية لا يضاهيها في العالم سوى القوة العسكرية الروسية، وهذا في حد ذاته عامل أساسي ورئيس في تكوين الدولة العظمى، بل إن روسيا هي المصدر الأساسي لتسليح دول مثل الصين والهند وكوريا الشمالية، وغيرها.
ومن المعروف أن القوة العسكرية الروسية هي والأميركية الوحيدتان في العالم اللتان تشملان كافة قطاعات التسليح البرية والبحرية والجوية والإلكترونية والنووية وغيرها، وبكميات تفوق ما لدى عدة دول أخرى مجتمعة، فالقوة العسكرية الروسية تعادل ثلاثة أضعاف قوة حلف الناتو من دون الولايات المتحدة.
وذلك حسب معهد استوكهولم للدراسات الاستراتيجية، كما أن القوتين العسكريتين الأميركية والروسية هما الوحيدتان اللتان تشكل القوة الهجومية فيهما أضعاف القوة الدفاعية، وهذا معيار أساسي في القوة العظمى حسب رأي الخبراء الاستراتيجيين، إذ إنه يعني أن الدولة طموحاتها تتجاوز حدودها بكثير.
كما أن الدولتين تتنافسان على صدارة سوق السلاح العالمي، وهما معا يحتكران أكثر من 80% من هذه السوق، وهذا معيار آخر للقوة العظمى، أن تكون مصدر قوة للآخرين، وتعرف جيدا مدى قوة الآخرين وحدود إمكانياتهم القتالية.
روسيا وأميركا هما الوحيدتان بين الدول اللتان لديهما عقيدة عسكرية واستراتيجيات تغطي كل أنحاء العالم. القوة العسكرية هي أساس قوة روسيا العظمى، وهي التي أعطتها مكانتها على الساحة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
وهي التي تعيد لها هذه المكانة الآن، ولا مجال للحديث عن القوة الاقتصادية في هذا الشأن، فقد دخل ستالين بجيشه الأحمر الحرب ضد هتلر والشعب السوفييتي يعاني من مجاعات، وكان الشعار المرفوع هناك آنذاك هو «كل شيء من أجل الجبهة»، وبالفعل كانت جميع عجلات الإنتاج السوفييتية تعمل للحرب، وانتصر الحلفاء بفضل الجيش الأحمر، وجلس ستالين الفقير يقتسم العالم مع الأغنياء الكبار ويفرض عليهم اقتسام ألمانيا.
من الخطأ تصور أن الطموحات الاستراتيجية الروسية هي موروث الاتحاد السوفييتي، بل بدأت من قبل، مع بطرس الأكبر في القرن 18 الذي بنى أكبر أسطول حربي في العالم آنذاك، ليعطي للعالم كله، وخاصة الغرب انطباعاً بأن روسيا لن تقبل بحدودها الجغرافية المحصورة في المناطق الباردة، وأن طموحاتها تمخر عباب المياه الدافئة في المحيطات والبحار.
ربما يتصور البعض أن ما نقوله هنا عن روسيا فيه مبالغة، ولكن هذه هي الحقيقة التي يؤمن بها الأميركيون أنفسهم قبل الآخرين، وهي ما ذكرها في بدايات القرن 19 الفيلسوف الفرنسي الشهير «أليكسيس دي توكفيل» في مؤلفه المعروف «الديمقراطية في أميركا» المكتوب عام 1834 قبل ظهور الماركسية والشيوعية، وهو الكتاب الذي استشهد به الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب»، حيث توقع دي توكفيل أن تسود الأمتان الأميركية والروسية العالم لقرون طويلة مقبلة.
