يخطئ من يظن بأن المعركة حول السلطة في العراق، بعد أن استمرت ما يقرب من ثمانية شهور صعبة، قد حسمت بشكل نهائي بمبادرة رئيس إقليم كردستان. فالحسم الشكلي الذي تم الإعلان عنه لم يكن بقناعة القيادات التي أفرزتها الانتخابات النيابية، قدر ما كان بسبب الضغوط الخارجية، خاصة الأميركية، التي مورست في الأيام الأخيرة على أعلى المستويات.
الصحيح أن نقول إن هذه المعركة ستتخذ شكلاً آخر في المرحلة المقبلة، قد تكون في بدايته بعيدة بعض الشيء عن أعين الإعلام، ولكنها لن تستمر كذلك لفترة طويلة، وذلك لهشاشة هذا الاتفاق. فالصيغة التي توصل لها الفرقاء العراقيون ستفرض حكومة غير متجانسة لا تمتلك برنامج عمل واضحاً، ومن الصعب توقع الكثير منها، فأعضاؤها شديدو التوجس من بعضهم البعض من جهة، ولهم برامج عمل مختلفة، بل متقاطعة في بعض محاورها، من جهة أخرى.
الحكومة الجديدة التي يطلق عليها حكومة تقاسم السلطة أو حكومة الشراكة الوطنية ليست في جوهرها سوى حكومة محاصصة كالتي سبقتها، سيكون نهجها تكريس أسوأ ما جاءت به العملية السياسية؛ ألا وهو المحاصصة العرقية والطائفية التي ألحقت أبلغ الأضرار بالبنية السياسية والمجتمعية للعراق، وتقف عائقاً أمام إعادة بنائه بشكل سليم.
المحاور التي تم التوافق عليها، في الوثيقة الموقعة من قبل رئيس الكتلة العراقية ورئيس كتلة دولة القانون ورئيس إقليم كردستان، ستخضع تفاصيلها لمساومات تطال كل صغيرة وكبيرة، وستعرض فقراتها على مجلس النواب لإقرارها، وهناك شكوك كثيرة تحيط بمدى الرغبة بتنفيذها بروح إيجابية تسامحية تصالحية.
نظرة سريعة إلى ما أفرزته الشهور الثمانية المنصرمة منذ الانتخابات النيابية تثبت بأن التحالف الكردستاني هو الكتلة السياسية الأكثر كسباً والأكثر قدرة ومهارة على إدارة الخلاف مع الكتل الأخرى، على الرغم من انشقاق كتلة التغيير «غوران» عنه، فهذا التحالف لم يقدم أي تنازل يذكر لأحد.
من ناحية أخرى تعرضت كتلتي «دولة القانون» و«العراقية» لشتى أنواع الابتزاز من قوى خارجية وداخلية، فقد قدمت الأولى الكثير من التنازلات من أجل أن يستمر رئيسها برئاسة الوزارة لدورة ثانية.
فقد وافقت على مطالب التيار الصدري بتأمين مناصب لأعضائه في وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني، على الرغم من معرفتها رفض الولايات المتحدة الشديد لذلك. ووافقت على المطالب الكردية التي وردت في الورقة المقدمة من قبل التحالف الكردستاني، والتي تضمنت تسع عشرة نقطة.
ووافقت كذلك على التنازل عن صلاحية رئيس الوزراء في اختيار مستشاريه، ووعدت بعدم الاعتراض على إجراء تعديلات دستورية تنقل بعض صلاحيات رئيس وزراء لإضافتها إلى صلاحيات رئيس الجمهورية.
وبسبب الضغوط الأميركية الكبيرة، اضطرت «دولة القانون» لتقديم بعض التنازلات أمام «العراقية»، أبرزها الموافقة على تشكيل المجلس الوطني للسياسات العليا يرأسه رئيس «العراقية»، كما وافقت على إلغاء قرارات هيئة المساءلة والعدالة التي سبق أن صادقت عليها المحكمة الاتحادية العليا والتي تتعلق باجتثاث أربعة من قيادي «العراقية».
وفي مسلسل التنازلات هذا، كانت «العراقية»، التي فازت بأغلبية المقاعد في الانتخابات النيابية الأخيرة، الرائدة فيه، فقد استمرت في تقديم التنازلات تارة بسبب سوء تقديرها لنقاط القوة والضعف لدى الفرقاء الآخرين، وتارة أخرى بتأثير الضغوط الأمريكية، وتارة ثالثة للحفاظ على تماسكها.
وتواصلت تنازلاتها إلى الحد الذي تنازلت فيه عن خيارها الأكثر قوة وأهمية وهو قيادة المعارضة داخل المجلس النيابي مقابل الحصول على رئاسة هذا المجلس ورئاسة مجلس مُبهم يُصار الاتفاق على صلاحياته ونظامه وميزانيته، وهو المجلس الوطني للسياسات العليا.
ولكن هذه الترتيبات الجديدة في المشهد السياسي العراقي لا يصار إلى تحقيقها على أرض الواقع بسهولة، فهي بحاجة إلى إجراء تعديلات دستورية من جهة، وبحاجة إلى تشريع قوانين جديدة من جهة أخرى، وهنا بالضبط يكمن الاختبار الحقيقي للنوايا، فالتحالف الوطني الذي تقوده «دولة القانون» مع الكتل التي اصطفت إلى جانبه وهي حزب الفضيلة وائتلاف الوسط يمتلكون من حيث العدد القدرة على إفشال ما لا يرغبون في تمريره من تعديلات أو تشريعات، أو يعملوا على تمريرها بعد إفراغها من محتواها.
انطلقت المشاحنات السياسية بمجرد انفضاض جلسة مجلس النواب الأخيرة التي ساد فيها الوفاق، فوفق تصريحات أدلى بها قياديون من «دولة القانون» هناك اتجاه لدى هذه الكتلة للتنصل من بعض بنود الاتفاق الثلاثي، وليس من المستبعد في ضوء ذلك أن تعمل على وضع العقبات أمام تنفيذ بعض محاوره التي اعتبرها هؤلاء القياديون خارج السياقات الدستورية، خاصة ما يتعلق باستثناء أربعة من قيادات «العراقية» من قرارات الاجتثاث التي أصدرتها هيئة المساءلة والعدالة، وما يتعلق بالمجلس الوطني للسياسات العليا.
التحالف الكردستاني خارج دائرة المشاحنات في الوقت الحاضر، فهي بين «العراقية» و«دولة القانون »، وهي تدور بالدرجة الرئيسية حول مهام المجلس الجديد المزمع إنشاؤه، المجلس الوطني للسياسات العليا، إذ يرى قياديون في «دولة القانون» بأن هذا المجلس سيكون جهة استشارية يقتصر عملها على تقديم المقترحات للقادة الكبار، في حين ترى «العراقية» بأن الأمر غير ذلك.
وتؤكد على أن الاتفاق قد نص على أن يكون المجلس مؤسسة تنفيذية قراراتها إلزامية، وصرح بعض قياديوها أنه «بعكس ذلك فإن العراقية قد لا تستمر في عملية تشكيله ورئاسته».
وشددت «العراقية» على ضرورة أن يتم تشكيل المجلس قبل تشكيل الحكومة التي لا يجب أن يستغرق تشكيلها أكثر من شهر واحد وفق الدستور. ولم يخف رئيس «العراقية» إحباطه مما جرى ويجري، ولم يخف كذلك قلة حماسه للاستمرار في العملية السياسية.
أجواء الإحباط بدأت تحل بدل أجواء التفاؤل في الأوساط السياسية، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن يتمخض المشهد السياسي العراقي عن تكرار تجربة السنوات السابقة ومولد حكومة هشة ضعيفة غير مستقرة لا أحد يضمن قدرتها على تنفيذ التزاماتها وتحمل تداعيات ذلك.
كاتب عراقي
