اتصفت انتخاباتُ مجلسِ النواب الأردنيِّ (120 مقعداً)، الأسبوعَ الماضي، بمقاديرَ عاليةٍ من النزاهةِ وعدم التدخّلِ الحكوميِّ المباشر، بشهادةِ مراقبين محليين وآخرين أجانب أَذِنت لهم الحكومة.
ولم تستطعْ جبهةُ العمل الإسلامي التي قاطعت الانتخابات أن تُشهرَ دلائلَ موثقةً على ما قالت إنّه تزويرٌ حدث، وخصوصاً في رفعِ نسبةِ الاقتراع التي ذكرت الداخلية الأردنية أنّها 53%، وهي نسبةٌ مؤسفةٌ، لا سيّما وأنَّ الإقبالَ كان ضعيفاً في محافظتي عمان والزرقاء الأكبرين في المملكة، وتكثّف في الشمالِ والجنوب والبوادي والأرياف.
وبعيداً عن أسباب هذا الأمر، فإنّها نسبةٌ أقلُّ من التي كانت في انتخابات 2007، وقد وصلت إلى 58%، وهي الانتخاباتُ التي لم يبالغ معلقٌ زميل في وصفِها بالكارثية، لما جرى فيها من تدخلٍّ حكومي في التزوير والتدوير، بشهادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الأردن (رسمي)، فيما شهدَ معهدُ مراقبةٍ أميركيٍ بنظافةِ تلك الانتخابات (!) التي أنتجت مجلسَ نوابٍ اغتبطَ الأردنيون كثيراً عندما حله الملك.
أرادت الحكومةُ نسبةَ اقتراع أعلى، للتدليل على أن مقاطعة الإخوان المسلمين لم يكن لها تأثيرٌ كبير، وجهدت كثيراً في إقناعِ الناخبين للتوجّهِ بكثافة إلى صناديق الاقتراع، وخصوصاً الشباب، غيرَ أنَّ النتائج لم تأتِ بالدرجة التي اشتهتها الحكومة، ولا التي تطلعت إليها قويً سياسيةٌ وتجمعاتٌ مدنيةٌ هجست بتخليقِ حياةٍ سياسيةٍ في البلد، متجددةٍ تعكس تعدديةً في الرؤى والتصورات العامة، وتبتعدُ في أثنائِها عمليةُ الانتخاب عن سطوةِ الروابط العائليةِ والعشائريةِ والمناطقيةِ التقليدية، وعن نفوذِ المال السياسي، وتنظرُ إلى مجلس النواب بصفته مؤسسةً دستوريةً (إلى جانب مجلس الأعيان) لتشريعِ القوانين والرقابةِ على أداء الحكومات.
لم يتحققْ هذا الطموحُ الذي تطرحُ تفاصيلَه نخبٌ أردنيةٌ واسعة، بسببِ ضعف البنيات الحزبية واتّساعِ الإحباط السياسي وسوءِ الأوضاع الاقتصادية، غير أنَّ نتائج انتخاباتِ الأسبوع الماضي لم تحمل إلى مجلسِ النواب السادس عشر في المملكة نواباً موالين ذوي قواعدَ عشائريةٍ فقط، بل حملت أيضاً وجوهاً ليبراليةً ويساريةً وقوميةً وإسلاميةً وسطية، وممن أوصلتهم إلى قبة البرلمان روابطُهم التقليدية في مناطقهم من هم أهلُ خبرةٍ في التشريعِ والعملِ السياسي والبرلماني.
كما دلَّ على ذلك أداؤهم الطيب في برلماناتٍ سابقة. وفي وسعِ الناظر في الحالةِ الأردنيةِ الراهنة أنْ يُؤشَّر إلى نوعٍ من «المعارضةِ الواقعيةس فيها تجاه سياساتٍ وإجراءاتٍ بعينها، ولا ترومُ المعارضة في المطلق، وأثبتت شخصياتٌ أردنيةٌ محسوبةٌ في الموالاة، حضرت طويلاً في البرلمان والعمل الحكومي، أنَّ في وُسْعِها أن توجِدَ مسافاتٍ بينها وبين الحكومات في غيرِ مسألةٍ وشأن.
أولى مهمات البرلمان الأردني الجديد، وبأعضائِه النساء ال12 فيه، ومنهن ريم بدران الوحيدة التي نجحت خارج كوتا للمرأة وعبلة أبو علبة التي تتزعم حزباً يسارياً، أنْ يؤكّد حضوره الفاعل، ويعيد منسوباً مطلوباً من الاحترام العام للبرلمان، وإذا كان رئيس الوزراء سمير الرفاعي قال إنَّ حكومتهُ تطمحُ إلى وجودِ مجلسِ نوابٍ يكون شريكاً مهماً في عمليةِ الإصلاحِ الشامل في البلاد، فذلك ما يتطلع إليه الأردنيون جميعاً.
ونظن أن خمسين قانوناً مؤقتاً (صدرت من دون برلمان) ستمثلُ أمام مجلس النواب الجديد سيكونُ التعامل معها، تعديلاً أو إقراراً، واحداً من محكاتٍ غيرِ قليلةٍ لاختبارِ فاعليةِ المجلس، ومنها القانونُ الذي جرت بموجبهِ الانتخابات، والمَطالِبُ بالعدولِ عنه وفيرةٌ منذ 1993، وهو قانونُ الصوت الواحد في دوائرَ متعددّة المقاعد، والذي ساهم في تجذيرِ عصبياتٍ تقليدية، من مظاهرها أعمالُ عنفٍ حادّةٍ واكبت الانتخابات.
كما أنّ ثمّة الكثير مما يُطالَبُ به البرلمانُ الجديد، تخصُّ الأردنيين وأحوالَهم المعيشية والسياسية والمديونية الثقيلةَ على بلدهم، وتتعلق أيضاً بتظهيرِ الأردن في مسارٍ متقدمٍ باتجاهِ حالةٍ سياسيةٍ حيويةٍ ونشطةٍ في محيطٍ إقليميٍّ شديدِ التكلسِ والرتابة.