مرت المدة ما بين العيدين سريعة جداً، كأننا كنا بالأمس فقط نصوم رمضان، وإذا بنا فجأة نستقبل عيد الأضحى المبارك.. دون أن نشعر بالفاصل الزمني الذي امتدّ بين عيد الفطر وعيد الأضحى.

كم من أمر كنا ننوي فعله والانتهاء منه قبل أن يحلّ علينا عيد الأضحى، حتى نستمتع بالعيد، ونشعر بلذة الإجازة «الطويلة» نسبياً التي ستزامنه؟ لا بد أن مخططاتنا كانت عريضة، وأحلامنا وآمالنا ممتدة ومتطاولة حتى تكاد تلامس زرقة السماء، أقصد أنها كانت كذلك.. لكنها ؟

على ما يبدو - أصبحت شيئاً من الذكرى بمجرد أن وجدنا أنفسنا نجلس أمام شاشات التلفاز في مشهد سنوي يتكرر داخل كل بيت تقريباً، حيث نراقب حجاج بيت الله الحرام وهم يؤدون مناسك الحج وينتقلون من مكان لآخر وعيوننا وقلوبنا تنتقل معهم أيضاً، وألسنتنا تلهج بالدعاء لهم، وبأن نكون مكانهم في العام المقبل.

لا شك أن الأحلام العريضة التي كان عيد الأضحى المبارك سقفاً زمنياً لإنجازها تبخرت عند بعضنا إحباطاً من سرعة مرور الوقت وعدم المقدرة على فعل أي شيء مما كان يجب فعله، أو أنها زادت على عرضها طولًا عند البعض الآخر، وأصبحت تحتلّ مكاناً متقدماً على خارطة مخططاتنا الزمنية التي يضعها كل واحد منا بطريقته الخاصة، إما بالتدوين، أو بالاعتماد على الذاكرة، أو بالحديث عنها أمام المقربين حتى يبني لها وجوداً ذهنياً يشجعه على تحويلها إلى موجود حقيقي على أرض الواقع.

إننا نُكْثِرُ إلقاء أسباب تقصيرنا في عدم إنجاز ما علينا على كاهل الزمن وقصره وسرعة مروره وكأنه يغافلنا، لكننا لا نقوم ؟ في المقابل - بأي فعل مضادّ، نحن ندرك أن الزمن يقصر، وأصبح إحساسنا بالساعة ؟ من حيث هي مدة زمنية معلومة - مختلفاً عن إحساسنا بها قبل عقد من الزمان على سبيل المثال، حيث أصبحنا نشعر بها أقصر زمنياً، حتى إن كانت كما هي دائماً مكونة من ستين دقيقة، ومع ذلك لا نقوم بأي فعل من شأنه أن يساعدنا على إنجاز ما علينا في الوقت المناسب تماماً، وأصبحت حجة الوقت القصير والزمن المتفلّت قائمة على كل لسان..

سواء من الطلاب أو الموظفين أو الأبناء أو حتى الآباء أنفسهم.. الرئيس والمرؤوس في هذا الإحساس سواء، والجميع يشعر بأنه لا يجد وقتاً لفعل ما يجب عليه فعله، بغض النظر عن موقعه على خارطة الحياة أو المجتمع، فسيف الوقت مسلط على الجميع، ولا يرحم أحداً.

لكننا لو فكرنا بتأنٍ وروية سنجد أننا مقصرون كثيراً في عدم قيامنا بمغافلة الوقت الذي يغافلنا منذ «زمن» ونحن نقف موقف المتفرج؛ فإذا كنا نشعر بأن الوقت أصبح أقصر، وأنه يقصر أكثر وأكثر كلما تقدمنا «زمنياً»، فلماذا لا نعيد بناء مخططاتنا بحيث نمنحها وقتاً أكبر، أو نجعل نقطة البداية مبكرة أكثر من السابق؟ لماذا نبقى أسرى للوقت ولا نحاول أن نقوم بأسره وتسخيره لمصلحتنا؟

كل شيء في هذه الحياة مسخر لنا، وقد استطاع الإنسان تسخير كل شيء لما فيه مصلحته، وتسخير الوقت ليكون سلاحاً لنا في مواجهة هذه الحياة ومتطلباتها، ولإثبات موقعنا فيها لا يتطلب جهداً كبيراً، ولا ذكاء خارقاً، إنما يتطلب إرادة حقيقية جادة، وهي شيء أصبح نادراً في ضوء الرفاهية بنوعيها الصادق والكاذب التي نعيشها جميعاً، حتى أصبحنا لا نطيق فعل أدنى شيء قد يمس حالة الرفاهية المضللة التي نعيشها دون أن نعرف حقيقتها.

إن الأحلام والمخططات التي عادة ما يحاول الإنسان أن ينتقل من خلالها من عالم إلى عالم آخر، أو بعبارة أخرى من موقع أدنى إلى موقع أعلى في محيطه، لا تتحقق إلا بكثير من العمل والجدّ، وقليل من التهرب والتعلق بأعذار قد تكون جادة وحقيقية، وقد تكون مختلقة وواهية، لكنها في كل الأحوال لن تساعده على أن يكون شخصاً آخر.. أو شخصاً بمؤهلات أعلى وبموقع في الحياة أفضل.

والفرق بين من يصل ومن لا يصل، إذا اعتمدنا على مقاييس المنطق والعقل، لا على مقاييس العلاقات والمعارف، هو أن من يصل يعرف كيف يسخر الأدوات التي في متناول يده، ويعيد صياغتها بما يتناسب مع الزمن الذي يعيش فيه، كي تكون جسراً يصل به إلى أهدافه.

أما الذي لا يصل فهو يرى كل الأدوات حوله، ولكنه يشعر بأن الوقت لا يكفيه كي يفعل كل ما يريد فعله، ولذلك يفضل ألا يفعل شيئاً.. فيبقى مكانه، في حين يمضي الجميع ويتركونه خلفهم وحيداً، يراقب الأيام التي تقصر، والأحلام التي تمتد وتتطاول وتصبح أصعب في التحقق يوماً بعد يوم.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com