سوف يشعر الأتراك بعد وقت قليل أن الديمقراطية التي تطلعوا اليها طويلاً، جاءتهم من حيث لا يحتسبون. ربما لم تكن شرائح واسعة من نخب البلاد، تتوقع أن يأتيها حزب منسوب إلى الحركة الإسلامية المعاصرة، هو حزب العدالة والتنمية، بمثل هذه النعمة السياسية.

جلُّ الذين تابعوا صعود هذا الحزب إلى السلطة على مدى الأعوام المنصرمة، أُخِذوا بغواية الإعلام المعولم، فحكموا على اردوغان ورفاقه بطائفة من المسميات الفضفاضة من قبيل: (العثمانية الجديدة) أو (أسلمة تركيا العلمانية) وغير ذلك. . . سوى أن الحادث التركي الأخير أعاد قواعد النظر إلى منطقة معرفية غير مسبوقة في ميادين الحياة السياسية والثقافية. وذلك ما يجعل القول السياسي في نتائج الاستفتاء الأخير على بعض بنود الدستور، قولاً موضوعاً على نصاب مختلف.

لقد منحت التعديلات الدستورية الأخيرة منفسحاً غير مألوف لتوسيع حقول الديمقراطية التركية. من فضائل هذا المنفسح أن يتمكن السيد رجب طيب اردوغان في المقبل المنظور، من استخدام هذه الحقول لمواجهة التيارات العلمانية والقومية التقليدية ليصادر السلاح الذي غالباً ما عدّته حزاماً أمنياً إستراتيجياً لاستمرارها في القبض على بنية الدولة.

اللافت في مفارقات التغيير السياسي الداخلي التي يقودها حزب العدالة والتنمية، هي اجتناب التصادم مع المؤسسة العسكرية بوصفها حامية العلمانية في تركيا. الذي حصل، جرى على العكس مما كان يتصوره جمعٌ وازن من الخبراء والمشتغلين في الشأن التركي. إذ إن عملية الإصلاح الدستوري الذي شقت مسارها منذ ثماني سنوات راحت تنطلق من روح الدستور العلماني نفسه.

الأمر الذي جعل مؤسسة الجيش مطمئنة إلى ما يجري، على الرغم من الضيق الذي شعر به بعض أركان البيروقراطية العسكرية.

ثمة شيء جدير بالمعاينة أظهرته صورة الاستفتاء، وهو أن خيارات الأتراك على الغالب اتجهت في المنحى إياه الذي أخذ به حزب العدالة والتنمية. أي مغادرة الأسوار المغلقة التي فرضتها الأتاتوركية التقليدية على امتداد عقود طويلة، وحالت في خلالها دون تحديث النظام، وفصل السلطات، وتفعيل الديمقراطية بأبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

وهو ما اتضح من مشاركة شرائح وأحزاب وتيارات ليبرالية ويسارية وعلمانية في الاستفتاء، بما فيها فئات واسعة من أوساط حزب مصطفى كمال راحت تؤيد التعديلات الدستورية رغم قرار الحزب بالتصويت ضده. وليس من شك، فإن نظام الوصاية العسكرية الذي أعلن اردوغان في «خطاب النصر» نهايته بعد اتضاح نتائج الاستفتاء، لا يزال على جانب من القدرة التي يحتمل أن توظف في لحظة ما، للانقلاب على المنجز الديمقراطي الجديد.

بإزاء هذا التصور يرى كثيرون من الخبراء أن ترسيخ منجز التعديلات الدستورية والبناء عليه، يعد مدّخراً ضرورياً واستراتيجياً لاردوغان في المسار الجديد للديمقراطية السياسية في البلاد. لكن التساؤل المحوري الذي يشغل تفكير هؤلاء يبقى مركوزاً في ما إذا كان اردوغان سيمضي إلى المزيد من الإجراءات الدستورية التي تحد من طغيان منظومة الوصاية المتوارثة بين الجنرالات منذ أكثر من سبعين عاماً.

ما يلفت إليه العارفون في هذا الميدان، هو السعي الجدي لإلغاء المادتين الدستوريتين 35 و-85 التي تحدد مهمة الجيش بالحفاظ على النظام العلماني وحمايته ولو اقتضى الأمر استخدام السلاح.

يدرك اردوغان بالبداهة السياسية التي يمتلكها، حساسية هاتين المادتين. . لذا فليس من المقدر أن يكون تعامله معهما على النحو الذي يحولهما ذريعة لثورة مضادة، أو إلى متسع خصب لاستثمار القوميين المتشددين، وعتاة البيروقراطية العسكرية. فالمسار الذي اعتمده حزب العدالة والتنمية في رحلة التغيير التركي منذ العام 2002 وإلى الآن، يشير إلى منهجية من التعقل المتدرج في إنجاز التغيير المطلوب.

مرد ذلك يعود، إلى فهم دقيق لخصوصية التجربة التركية قوامها السعي الحثيث لإيجاد منطقة وسطى تتوازن فيها العلمانية الدستورية مع روح الدين الإسلامي.

مثل هذا السياق، يبدو ممكناً في الواقع بحيث يصبح الإسلام التركي ديناً مدنياً، على ما تبيّنه نظرية الفيلسوف الفرنسي الكسيس دو توكفيل. فالمعروف أنه حسب هذه النظرية لا يعود في دولة الدين المدني، ما يثير التناقض بين الإيمان والعلمانية. مثلما لا يتناقض الدين في بعده الميتافيزيقي مع النطاق الزمني الذي تنمو فيه الدولة العلمانية.

ولو استقرأنا مسار تجربة حزب العدالة والتنمية في السلطة على قصرها النسبي، لوجدنا كيف أن الفلسفة السياسية التي تحكم تلك التجربة، تقوم على الجمع والمصالحة بين الدين والعلمانية، بما يؤدي إلى ضرب من الاعتدال مرتكزة التكامل بين الزمني والديني.

لو يتسنى لمسار كهذا أن يمضي بعيداً في تحقيق منجزات التكامل بين أركان العملية الحضارية لتركيا، لتحقّق للأتراك طموحان استثنائيان يؤلفان عماد تاريخهم القديم والمعاصر، وهما: ممارسة التدين وممارسة الحرية في الآن عينه.

ذلك ما سنقع على إشاراته، وعناوينه العامة، من خلال معاينة الوقائع اللاحقة لرحلة اردوغان.

بهذه الدالّة لم تكن التعديلات الدستورية، وذهاب أكثرية الشعب التركي إلى تأييدها سوى تظهير لهذين الطموحين، ولو بألوان شتى، وأشكال متباينة.

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com