لاشك أن تسوية النزاعات في وسط آسيا وإقليم القوقاز مهمة صعبة للغاية، ولا يمكن لدولة واحدة أن تتحمل مسؤوليتها سوى دولة كبيرة وقوية مثل روسيا، خلافا لما يعتقد العديد من المحللين الأوروبيين. وذلك ليس فقط لأن روسيا دولة كبيرة وقوية وليس لأن مناطق وسط آسيا والقوقاز كانت ضمن نفوذ موسكو خلال العهد السوفييتي فقط، وإنما لأن القيادة الروسية تشكل الجسر والمعبر لهذه الأقاليم نحو القارة الأوروبية.
ويريد الغرب نفسه أن تلعب روسيا دور الفلتر لتصفية ما يصلها من هذه المناطق ليقتصر على الخيرات والثروات. فيما يبقى من نصيب روسيا الصراعات والأزمات والخلافات الإقليمية، فالأوروبيون لا يقبلون مهاجرين من شعوب القوقاز، ولا يفتحون لهم أبوابهم، لكنهم في نفس الوقت يتقربون منهم بهدف الحصول على ثرواتهم الطبيعية من نفط وغاز ومعادن وغيرها.
وإذا كانت الرؤية الأوروبية خيالية إلى حد ما لأن لروسيا أيضا مصالح وحصة في ثروات هذه المنطقة. فان قدرات روسيا على القيام بدور الوسيط لتسوية النزاعات في هذه المناطق أكثر فاعلية من إمكانيات الدول الغربية على القيام بهذه المهمة المعقدة، وروسيا أكثر من غيرها استيعابا لمشكل بلدان القوقاز شماله وجنوبه، وذلك بحكم التقارب الثقافي والوعي بعادات وتقاليد هذه الشعوب منذ الحقبة السوفييتية.
وبالتالي فإنه في حالة وقوع خلافات بين طرفين أو أكثر في هذه المنطقة نجد الجميع يتوجهون للجارة الكبيرة روسيا للتدخل لحل هذه الخلافات، وهنا روسيا تتدخل ليس فقط من أجل التسوية بين الطرفين، ولكن أيضا لأن من مصلحتها استقرار الأمن والسلام في المنطقة المجاورة لها، ولهذا فإنها غالبا ما تكون محايدة عند نظر أية خلافات بين جيرانها، لأنه ليس من مصلحتها تفضيل طرف على الآخر، بل مصلحتها الأساسية في حل الخلاف.
وقد تجسد ذلك بشكل ملموس في نتائج مفاوضات السلام الجارية بين أذربيجان وأرمينيا برعاية روسيا، إذ توصل الجانبان لاتفاق على إجراء تبادل للأسرى العسكريين بين البلدين.
ويمكن القول ان هذا الاتفاق هو أول خطوة ملموسة منذ تفجر نزاع قره باخ عام 1988، وبعد توقيع اتفاق هدنة صيف عام 1994 في بشكيك. لقد أدت المصادمات التي جرت بين الطرفين إلى مصرع نحو 15 ألف شخص وتشريد حوالي مليون آخرين من أبناء الشعبين، بعد أن قررت قيادة إقليم قره باخ الذي تتكون أغلبية سكانه من الأرمن عن الخروج من السيادة الأذربيجانية وإعلان استقلاله عام 1991.
وعلى مدار 18 عاما تجرى مفاوضات بين باكو ويرفان، في إطار لجنة مينسك المنبثقة عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا والتي تضم روسيا والولايات المتحدة وفرنسا. إلا أن باكو تؤكد استحالة تسوية النزاع إلا في ظل الحفاظ على وحدة أراضي أذربيجان، وعدم منح قره باخ صفة دولة مستقلة. وفي نفس الوقت تدافع أرمينيا عن مصالح منطقة قره باخ وسكانها الأرمن.
لكن توصل الجانبين لاتفاق تبادل الأسرى يعبر عن رغبة لدى الحكومتين والشعبين في إنهاء هذه الحرب الدامية، ما يفسح المجال إلى التوصل إلى اتفاق حول مبادئ التسوية في منطقة قره باخ الجبلية بحلول موعد انعقاد قمة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي المقررة في ديسمبر القادم.
وفى ظل توسع رقعة الصراعات الدولية وإعادة ترتيب التحالفات بين مختلف الدول في منطقة القوقاز الكبير، بدأت العلاقات الأرمينية- الإيرانية تشهد تناميا ملحوظ، إضافة لعملية تطبيع العلاقات الأرمينية- التركية، والتي أصرت حكومة يريفان على عدم ربطها بملف إقليم قره باخ.
هذه التطورات تدفع أذربيجان للبحث عن سبل لتسوية أزمتها مع أرمينيا بدلا من أن تفاقمها، لتضمن أمنها، والسبيل لتحقيق ذلك لن يكون سوى عبر دعم دور الشريك الروسي، باعتبار أن موسكو الأقدر على استيعاب تفاصيل الخلاف، وعلى منع أي تداعيات يمكن أن تؤدي لتفجير مصادمات عسكرية.
ولاشك أن الحرب الجورجية عام 2008 واعتراف روسيا باستقلال إقليميي آوسيتيا الجنوبية وابخازيا قد أثار قلق أذربيجان، ودفعها لعدم التجاوب مع دعوات جورجيا بالتعاون معها لمواجهة ما تعتبره حكومة تبليسي «هيمنة روسية»، وذلك من أجل الحفاظ على علاقات مستقرة وجيدة مع روسيا. كما أن لجوء حكومة باكو للأسلوب الجورجي واستخدام القوة في استعادة إقليم قره باخ للسيادة الأذربيجانية لن يلق تأييدا أو دعما أوروبيا.
ويمكن أن يواجه موقفا متشددا من جانب الغرب، أيضا لن تقبل موسكو استخدام أسلوب القوة من أذربيجان ضد أرمينيا، وذلك مثلما لم تقبل أسلوب القوة الذي اتبعته جورجيا بقيادة ميخائيل ساكاشفيلي عام 2008 ضد جيرانه الصغار أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وتدخلت روسيا بالقوة لمنع الاعتداء الجورجي على أوسيتيا الجنوبية.
وهذا ما تعتبره روسيا التزاما وواجبا عليها القيام به، وبالتالي فإن تفكير أذربيجان في استخدام القوة في قرة باخ يضع باكو في موقف معقد، ويزيد من صعوبة التعامل مع هذه الأزمة وفق الرؤية الأذربيجانية.
لقد غيرت أحداث «أغسطس الساخن» عام 2008 الصورة الجيوسياسية للقوقاز الكبير. فظهر في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق لأول مرة منذ انهياره، كيانان معترف بهما جزئيا. ما دفع العديد من جيران روسيا للتساؤل «هل ستشمل موسكو كيانات غير معترف بها بسابقة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية».
كاتب روسي