قامت روسيا منذ أيام قليلة، ولأول مرة، مع الولايات المتحدة بعملية مشتركة لمكافحة المخدرات في أفغانستان. ونفذت هذه العملية قوات تابعة لجهاز مكافحة المخدرات الروسي وقوة خاصة أميركية ووزارة الداخلية الأفغانية، مع الاستعانة بتسع مروحيات تابعة لقوات حلف الأطلسي (ناتو).

وأعلن جهاز مكافحة المخدرات الروسي عن نجاح العملية في تدمير 932 كلجم من الهيروين و156 كلجم من المورفين بقيمة 250 مليون دولار، بعد هذه العملية ثارت شائعات حول احتمال مشاركة روسيا في العمليات العسكرية في أفغانستان، وكتبت الصحف الأوروبية والأميركية على مدى عدة أيام إشاعات حول استعداد روسيا للعودة إلى أفغانستان لمساعدة التحالف الدولي في الحرب ضد حركة «طالبان».

الروس أنكروا تماما هذا الأمر واعتبروه استفزازا ماكرا له أغراض سيئة.

الوضع في أفغانستان في نظر الروس أسوأ بكثير مما كان عليه أثناء التواجد السوفييتي هناك في الثمانينات الماضية. ومع ذلك فإن التعاون هناك مطلوب، وينبغي التفكير في كيفية التعاون المحتمل بين روسيا والولايات المتحدة، بالطبع، لا يتم النظر في احتمال مشاركة روسيا العسكرية المباشرة، حيث يصعب تصور أي سبب مقنع يجعل موسكو تتدخل في حرب خاسرة سلفا لاسيما مع اقتراب الهزيمة، وحلف الناتو يقوم بمحاربة «طالبان» التي لها حق في الوجود، ولكن ذلك لا يعني أي شيء، إذ ان الولايات المتحدة وحلفاءها أتوا إلى هذه الجبهة بسبب احتياجهم إلى ذلك وليس بطلب من روسيا، إلا أن انسحاب التحالف الدولي قد يتسبب في مخاطر جديدة بالنسبة لروسيا في مجال الأمن، إذ ان الوضع في أفغانستان غير قابل للتنبؤ، ولا أحد يدري ماذا ستفعل طالبان بعد خروج القوات الأجنبية، وأين ستذهب، ومن يضمن ألا تعود لتوجه نشاطها للشمال نحو وسط آسيا وروسيا، لذا، يمكن اعتبار قضية التعاون بين روسيا وحلف الناتو ملحة، وليس بالضرورة أن ترسل قوات عسكرية روسية للحرب هناك، يكفي فقط الآن أن توافق على ترانزيت المعدات العسكرية عبر أراضيها لقوات التحالف الدولي هناك.

لكن المشكلة أنه لا توجد لدى واشنطن خطة عمل محددة، وتعد استقالة قائد القوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، في الصيف الماضي والتسريبات التي وردت مؤخرا في كتاب بوب ودورد، خير دليل على أن القيادة السياسية والعسكرية الأميركية منقسمة حول الاستراتيجية الأفغانية وأهداف العملية. وغالبا سيكون الهدف في الفترة القادمة هو وضع خطة انسحاب يجوز تقديمها على أنها نجاح أو تفادي فشل صريح على الأقل. وإلا ستمثل الهزيمة ضربة قاسية لصورة الولايات المتحدة وحلف الناتو، باعتبار أن أقوى حلف عسكري وسياسي في التاريخ يفشل في أول عملية مهمة له.

إن الخسارة الصريحة لحلف الناتو ليست في صالح روسيا، إذ ان ذلك قد يرفع من معنوية الراديكاليين في الشرقين الأدنى والأوسط. أما حركة «طالبان» نفسها التي تكافح بشكل أساسي من أجل أراضيها والسيطرة داخل أفغانستان، فلا يبدو أنها قد تتحرك لمد نفوذها شمالا. ولكن جماعات دينية وإثنية مختلفة لها مصالح في آسيا الوسطى قد تنتعش تحت ستار «طالبان». يذكر أنه في فترة تولي حركة «طالبان» زمام السلطة في الفترة من 1996 لغاية 2001 كانت قرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان تتعرض لضغوط دائمة من قبل المتطرفين الذين كانوا يعتمدون على دعم قادم من أفغانستان. وكانت إمكانيات موسكو لمساعدة الحلفاء محدودة جدا آنذاك.

ويعد الهدف الرئيسي لروسيا في الوقت الحالي هو تعزيز منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو بمعنى أصح إقامة منظمة أمن جماعي من جديد. وقد تتمكن روسيا من تحقيق الريادة في المنطقة والحوار على قدم المساواة مع واشنطن هناك فقط في حال اعتمادها على منظمة حقيقية وليس افتراضية للأمن الجماعي.

الموضع الثاني للنقاش مع الولايات المتحدة هو التواجد العسكري الأميركي في آسيا الوسطى بعد انسحابها من أفغانستان. لا شك في أن الأميركيين سيسعون للبقاء هناك بشكل أو بآخر، نظرا للأهمية الاستراتيجية للمنطقة لأسباب كثيرة وغموض حول مستقبل أفغانستان. وطالبت منظمة شنغهاي للتعاون منذ خمس سنوات واشنطن بتحديد فترة مرابطة قواعدها العسكرية في هذا الجزء من العالم انطلاقا من أنه قد تم نشرها لتأمين العملية العسكرية في أفغانستان. إلا أن السياق تغير منذ ذلك الحين، إذ لم تعد الولايات المتحدة متحمسة ل«نشر الديمقراطية»، كما كانت عليه سابقا نظرا لانشغالها بقضايا أخرى. ويعد الشرق الأدنى منطقة متأزمة بقدر أكبر من ذلك، بما في ذلك نتيجة لفشل السياسة الأميركية. وفي هذه الأثناء تزداد ثقة بكين بنفسها، مما يثير قلق جاراتها والولايات المتحدة على حد سواء.

وفي هذه الظروف ينبغي على موسكو بدء الحوار مع واشنطن حول إمكانيات وأشكال التواجد العسكري في آسيا الوسطى بالتنسيق مع روسيا. ويجب القيام بذلك الآن بدون انتظار متى تُرغم الولايات المتحدة وحلف الناتو على حل المسألة في ظروف طارئة.

قد تؤدي محاولات إبعاد المنافس عن الساحة إلى عدم الانتباه لمشكلات حقيقية، في الوقت الذي قد يؤدي فيه الحضور الموازي للقوتين العظميين إلى تحقيق استقرار الأوضاع وتوسيع الساحة للمناورة في حال تحقق سيناريوهات كارثية.

أثبتت النداءات إلى مكافحة الإرهاب الدولي سوية عجزها بعد أن كان صدقها مثيرا للشكوك أصلا. إلا أن أفغانستان تحولت إلى بؤرة خطرة لزعزعة الأوضاع في المنطقة. ويحتاج قرار طويل الأمد إلى تنسيق كل القوى المعنية، وهي: روسيا والصين والهند وإيران وجاراتها الصغيرة والولايات المتحدة.