اكتشفنا أخيراً أن المشكلة الحقيقية في وسائل الإعلام الرئيسية أنها مضطربة في ما يتعلق بالتعقل. وهذا هو الاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه من رفض منظمات وسائل الإعلام الرئيسية السماح للعاملين فيها بحضور تجمع «جون ستيوارت» من أجل «استعادة العقل» قريباً في العاصمة الأميركية واشنطن.

وهذا حق، ففي المواجهة بين العقل غير المتحيز والجنون المتحيز، قررت وسائل الإعلام التقليدية بجرأة ألا.. تتخذ موقفاً. الأمر بدأ مع قيام نائبة رئيس شبكة «إن بي آر» الإخبارية، إلين فايس، بإرسال مذكرة إلى العاملين في الشبكة وتمنعهم من حضور هذا التجمع. سياسة الشبكة تم إيضاحها في مدونتها على الانترنت من قبل دانا ديفيس ريم، حيث كتبت تقول: «إن مسيراتهم سوف تعتبر سياسية من وجهة نظر الكثيرين، مهما كنا نعتقد».

لا سمح الله! من الواضح أن شخصاً كان في سبيله إلى إدراك شيء تنظر إليه الشبكة باعتباره «سياسياً»، فمن الأفضل له ألا يقوم ذلك، حتى إذا لم يكن ذلك الشيء في الواقع السياسي. أفضل ترك ما هو مقبول لكي تحدده أكثر العناصر تطرفاً على النظر إليه بحسبانه «سياسياً»، ومن أجل الحفاظ على سمعة نقية من خلال عدم اتخاذ موقف بشأن العقل والمعقولية. وانضمت إلى شبكة «إن بي آر» مؤسسة «واشنطن بوست»، التي أرسلت هذا البيان إلى مديري قاعة الأخبار فيها: «إن الفعاليات، مثل تلك التي تنظمها غلين بيك أو التي يشترك بها جون ستيوارت وستيفن كولبيرت، تعتبر سياسية، ولذلك فإن العاملين في مركز الأخبار لا يجوز لهم المشاركة فيها. وما نعنيه بالمشاركة هو أن موظفي الأخبار في واشنطن بوست لا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يضعوا أنفسهم في موقف يمكن أن يفسر بأنه داعم (أو معارض) لهذه القضية».

هل أدركتم حقيقة الأمر؟ لا يمكن أن يعتبروا داعمين للتعقل، ولكن يجب أن ينظر إليهم على أنهم يقيمون موازنة مثيرة للسخرية بين غلين بيك وجون ستيوارت! وتقول «واشنطن بوست» إنها تسمح بـ «مراقبة.. ومشاهدة والاستماع من وراء الكواليس». إنكم تعلمون، تماماً مثل الصحافة، مع بعض الاستثناءات المشرفة جداً، التي قامت بها أثناء الاستعداد لخوض الحرب على العراق. أو الأزمة المالية. أو أزمة الإسكان. بيانات مماثلة أصدرتها «إية بي سي نيوز» و«سي بي إس نيوز» و«أسوشيتد برس» و«بوليتيكو» وصحيفة «نيويورك تايمز».

في الواقع، فإن هذا الفكر الجماعي لوسائل الإعلام يفسر الكثير، بما في ذلك لماذا نجد أنفسنا في زمان ومكان في بلدنا يغدو معه تجمع من أجل استعادة العقل أمراً ضرورياً. لم تتخذ وسائل الإعلام مواقف بشأن أكثر الأحداث جنوناً خلال السنوات العشر الماضية، ويبدو أنه يجري التفكير على النحو التالي: لماذا البداية الآن؟ وهو يفسر بالتأكيد لماذا، في الوقت الذي تصبح عمليتنا السياسية أكثر جنوناً، تتصرف وسائل الإعلام مثل ضيوف في حفل عشاء متجاهلة حقيقة أن الضيف الجالس في نهاية الطاولة بسبيله إلى إحراقها. وأنتم تريدون أن تقولوا، «آه، نعم، الشراب جيد جداً، شكراً، ولكن ألا يلاحظ أي شخص آخر أن ذلك الضيف الجالس هناك يحمل البنزين وولاعة الغاز؟» ولكن الإشارة إلى الجنون يعتبر «تحيزاً». فمن الأفضل عدم التسبب في توتر الأمور.. حتى وإن كانت تغرق.

لقد شهدنا ذلك مراراً وتكراراً: فباسم «الموضوعية»، تدعي وسائل الإعلام أن لكل قضية وجهين، وكلاهما يستحق القدر نفسه من الأهمية. وبالنسبة للصحافة المتملصة، فالطريق الأفضل لها هو الوقوف على الهامش، تاركة سؤال «ما هو الصحيح» للجمهور. غني عن البيان أن عدم اتخاذ موقف، هو في الواقع، اتخاذ موقف. ولحسن الحظ، فإن أكثر من 200 ألف شخص بالفعل قد تعهدوا باتخاذ موقف، وسجلوا الحضور في صفحة التجمع على موقع فيس بوك.

وقد قمنا بقيادة الألوف منهم من نيويورك إلى العاصمة واشنطن ونقوم بالتجمع. وكما سمعتم، في لحظة من الحماسة الرشيدة أثناء ظهور برنامجي «العرض اليومي» أخيراً، تعهدت بأن يبادر موقع «هفبوست» بتوفير حافلات للناس الذين يحتاجون إلى مواصلات. وقد سجل أكثر من 10 آلاف شخص أسماءهم للسماح ل«هفبوست» بقيادتهم نحو العقل. ونحن نعتبرهم «المنطلقون نحو الحكمة». نعم، هناك الكثير من الحافلات، ولكن هناك الكثير من العقل لاستعادته.

لقد عرفنا منذ بعض الوقت إذاً أنه إذا كنا سنخلص أنفسنا من مختلف أنواع العبث الذي نعيشه، فإن المبادرات لن تأتي من واشنطن. والآن نحن نعرف أنها لن تأتي من وسائل الإعلام الرئيسية أيضاً. سوف تكون على الهوامش، كما كانت، في الوقت الذي أصبحت الأفكار الفرعية والتصريحات المتطرفة التي استولت على حديثنا السياسي أكثر جنوناً. إن اتخاذ موقف لصالح العقل ليس موقفا متحيزاً. ليس يمينياً ولا يسارياً. إنه أمر معقول. لذا فلتتوجهوا إلى نوافذكم (لا حاجة إلى العجلة)، فلتفتحوها، ودون صياح، كرروا معي: «إنني عاقل تماماً... أحتمل الجنون وقتاً أكثر مما هو معقول».