تحدثنا الأسبوع الماضي عن مفهوم الدولة العظمى الذي يثور حوله جدل كثير الآن في ظل أفول نجم القطب الأوحد الأميركي، وقلنا ان الاقتصاد القوي لا يكفي لإعطاء الدولة وصف الدولة العظمى، وضربنا على ذلك المثل باليابان صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا.

أما بالنسبة للعملاق الصيني، الذي نسمع كثيرا الآن أنه هو وحده القوة العظمى المرشحة لمنافسة القطب الأميركي الأوحد، فقد حقق نموا اقتصاديا كبيرا، ولكن هل حققت الصين نفس التقدم على الجانب السياسي بالمستوى الذي يمكننا من أن نطلق عليها وصف القوة العظمى القادمة؟

القوة الاقتصادية بالقطع مطلوبة وأساسية، لكن كما قلنا ليست العنصر الأساسي والرئيس في تكوين الدولة العظمى، لقد اعترفت الولايات المتحدة بالصين العام 1972 ووافقت على جلوسها بجانبها كعضو دائم في مجلس الأمن.

لكن هذا الاعتراف، والذي لعب فيه كيسنجر دورا كبيرا، كان بداية الاحتواء للعملاق الأصفر، وفي المقابل انفتحت الأسواق الغربية وكافة أسواق العالم للإنتاج الصيني الغزير، وكان هذا الانفتاح أشبه بالفخ أو الأغلال التي كبلت العملاق الأصفر.

فقد دارت عجلة الإنتاج الصيني ودارت معها عشرات الآلاف من المصانع الصينية لتلبي حاجة الأسواق المفتوحة للسلع الاستهلاكية الصينية المنخفضة الأسعار نتيجة انخفاض تكلفة الإنتاج، واندفعت مؤشرات النمو إلى الأمام.

وأصبح من الصعب فرملة عجلة الإنتاج أو حتى التحكم فيها، وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم وعلى رأسها الدول الكبرى، بل ان غالبية الدول التي تتعامل تجاريا مع الصين إن لم يكن جميعها نجدها في عجز تجاري كبير معها.

حتى أن الولايات المتحدة التي منحت الصين حق الدولة الأكثر رعاية بلغ عجزها التجاري مع الصين أكثر من مئتي مليار دولار ولكن هذا العجز التجاري البين ليس بالضرورة أن يكون معيار تفوق وقوة، بل أحيانا يشكل نقطة ضعف للدولة المنتجة والمصدرة وليس للدولة المستوردة، خصوصاً في الحالة الصينية.

فقد أصبح الإنتاج الصيني الغزير مرتبطا بشكل قوي وربما مصيري بهذه الأسواق، في الوقت الذي لا تشكل فيه الصادرات الصينية أهمية حيوية للدول المستوردة والتي تستطيع الاستغناء عنها بسهولة، فمعظم الصادرات الصينية من السلع الاستهلاكية والتقنيات المقلدة.

ولم تشهد الأسواق العالمية سلعا صينية حيوية كالمواد الخام والآلات الثقيلة والسلاح والسيارات والطائرات والتقنيات الحديثة وغيرها، ولم تشهد أيضا أية سلعة احتكارية حيوية، بل كل ما تصدره الصين يمكن الاستغناء عن الكثير منه ويمكن الحصول عليه من مصادر أخرى عديدة وبفوارق في الأسعار لم تعد كبيرة.

لقد أصبحت الأسواق المفتوحة ورقة ضغط كبيرة على بكين في تحركها السياسي على الساحة الدولية، بحيث أصبح أي تضييق في هذه الأسواق يشكل عبئا كبيرا على الصين دولة وشعبا.

وهذا ما شاهدناه في عام 2005 عندما أغلقت الأسواق الغربية أبوابها في وجه المنسوجات الصينية وفرضت عليها القيود وتكدست عشرات الآلاف من أطنان المنسوجات الصينية في مطارات أوروبا وأضعاف هذه الكميات في مخازن المصانع الصينية التي اضطر الكثير منها لوقف الإنتاج وتسريح الآلاف من عماله مما هدد بكارثة اجتماعية في المجتمع الصيني.

لقد أفقدت التنمية الاقتصادية الصين قوتها السياسية، في الوقت الذي لا تشكل قوة الصين العسكرية وترسانتها النووية أي خوف أو قلق لأية جهة.

كما كان للتنمية الاقتصادية والانفتاح التجاري أثاره الكبيرة على المواقف السياسية للصين التي لم تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن سوى خمس مرات فقط.

في الوقت الذي استخدمته روسيا أكثر من 120 مرة، مما يعني أن الصين كانت تتحاشى كثيرا الصدام مع الغرب، الأمر الذي أفقدها فاعليتها السياسية على الساحة الدولية.

حتى تايوان الجزيرة الصغيرة لم تخش تهديدات العملاق الأصفر، بل ذهبت تجري مناورات عسكرية بحرية بالقرب من شواطئه ومياهه الإقليمية.ويتبقى لنا قوة أخرى وهي روسيا سنتحدث عنها المرة القادمة.