كثيرون منا يقعون في خطأ شائع ظاهره بخلاف باطنه؛ فظاهره حب وانسجام وألفة، وباطنه غياب للحدود الشخصية ولجميع وجوه الخصوصية، وهو خطأ التوحد -أو الاتحاد- مع الآخر، سواء كان هذا الآخر فردًا أو مجموعة. وسأكتفي في هذه السطور بالآخر الفرد،.. الأخ أو الصديق أو القريب ..إلخ
لا بد أن كل واحد يجد نفسه مع شخص محدد، بغض النظر عن صلة القربى التي تجمعه ؟أو لا تجمعه- به، ويصبح هذا الآخر عينيه وأذنيه ويكاد يسيطر على كل حواسه دون وعي من الطرفين في معظم الحالات، فهو لا يرى إلا من خلاله، ولا يسمع إلا من خلاله، ولا يتذوق طعم شيء إلا معه وبه..
يعجبه ما يعجب ذلك الشخص، ويزعجه ما يزعج أيضا ذلك الشخص الذي قد يكون ؟في وقت ما- أهلا لكل ذلك بالفعل، لكن أهليّته في حد ذاتها أمر يخصه، وتحول هذه الأهلية إلى واقع يحكم علاقة شخص آخر بما حوله أمر مختلف.
الاقتراب حدّ التماهي مع الآخر يبعدنا عنه أكثر مما يقربنا منه. إننا لا نستطيع أن نعرف بعضنا جيدًا إلا إذا وضعنا مسافة بيننا وبين من حولنا،.. من حولنا يعني «كل» من حولنا، حتى أقرب الناس لنا، أو من نظنهم كذلك.
وكما قال لي أحد أساتذتي الأفاضل ذات مناسبة: إننا حين نقترب كثيرًا من شخص ما ؟أو شيء ما- لا نستطيع أن نرى التفاصيل الدقيقة كما نراها عندما نجعل بيننا وبينه مسافة بسيطة «ومعقولة».
ليست المشكلة فقط في عدم قدرتنا على معرفة الآخر إن اقتربنا منه أكثر مما ينبغي، بل المشكلة في عدم قدرتنا أيضا على معرفة أنفسنا، لأن غياب الحدود سيجعل مهمة معرفة الذات وتمييزها عن الآخر عسيرة إلى حد ما، إن لم تكن مستحيلة في بعض الأحيان.
في وقت متأخر من العمر سيكتشف الشخص الذي غيّب ذاته إرضاء لشخص آخر، أو لكسب وده أو لإثبات صدق مشاعره نحوه، انه لم يعش حياته بعد، سيعرف أنه كان يعيش حياة غيره، أو حياة رسمها له غيره، بقصد أو دون قصد.
وهذا ليس خطأ الشخص الآخر، حتى إن كان قد سعى لاستدراجه بطريقة أو بأخرى، إنما هو خطأ الشخص نفسه الذي قَبِلَ أن يعيش حياته متحدًا مع غيره في حين إنه خُلق «فردًا»، مستقلا، له كينونته الخاصة، ماديًا ومعنويًا.
بعضنا يعاني من سطوة العادات والتقاليد التي «تجبر» الابن مثلا على أن يعيش في «ظل» والده ؟أو في جلبابه كما يُقال-، أو تفرض على البنت أن تكون نسخة من أمها، ولكن هذا موضوع آخر ولا علاقة له بما نطرحه هنا، إننا نتحدث هنا عن التماهي الاختياري..برغبة وحب وشغف أحيانا، وكأن الشخص لا يمكن أن يثبت مشاعره للآخر إلا إن تحرر من «نفسه» وأصبح نسخة من ذلك الآخر.
أو إن اقترب منه إلى الدرجة التي لا تسمح له برؤيته كما يجب أن يراه، أي بوصفه بشرًا يخطئ ويصيب، فيه مزايا وفيه عيوب كأي إنسان آخر، ولا يرى فيه إلا نموذجًا ملائكيًا يمشي بين الناس على رجلين تواضعًا، في حين إنه يستطيع استعمال أجنحته ويطير فوقهم.
ومثل هذه النظرة لا تدوم إلى الأبد، إذ لا بد أن يكتشف في يوم ما أن هذا الكائن الملائكي الذي منحه حياته يتصرف فيها كيفما شاء ما هو إلا بشر مثله، برجلين فقط، ويرى حينها بعينيه الحقيقيتين أنه دون جناحين أيضا، في حين كان يرى الجناحين بعيني قلبه وعاطفته من قبل.
والأخطاء التي لم تكن تظهر في السابق إلا وتجد لها ألف تبرير وتفسير وتأويل سيصبح مقدارُ الذرة منها جبلا،.. ستكبر الأمور الصغيرة القبيحة، وستصغر الأمور الكبيرة الجميلة، ولا مجال للمكان الوسط في مثل هذه الحالات، إذ سينتقل الشخص ؟
الذي سيشعر أنه كان ضحية خدعة بشعة- مباشرة من الطرف إلى الطرف النقيض، من التماهي الكلي إلى النفور التام، وستكون أي محاولة لإيجاد مسافة «معقولة» من البعد بين هذين الشخصين ضربًا من المستحيل.
إن الحفاظ على كينونتنا الخاصة لا يعني رفضنا للآخرين.. مهما كانت درجة قربهم منا، بل تعني أننا نريد أن «نكون» كما «نريد» أن نكون، لا كما يريد لنا الآخرون أن نكون. ووجود هذه المسافة بيننا وبين أقرب الناس لنا تحفظ لنا هذه الخصوصية من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تجعل للحياة مذاقًا مختلفًا بتنوع الآراء ووجهات النظر.
لذلك نحتاج إلى أن نبني حول خصوصيتنا سورًا مثل درقة السلحفاة صعب الاختراق، لا أن نصنعه من قشرة البيض في سويعات، ثم نبكي خصوصيتنا عمرًا كاملا بعد ذلك.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com